Friday, July 5, 2013

شريف..هوجان.. "قصة قصيرة"






"في قلبي زهرة لا يمكن لأحد أن يقطفها "

فكتور هوجو



قصة حازم وشريف وايمن ليست مجرد حكاية وانما تجسيد لحالة مجتمع..مجتمع قد تأكل بفعل عوامل تعريته..نعم تعريته من الروح..لحم علي عظام اهذا ما يكونه الانسان ؟ ام روح علي صدق ؟
ام روح علي يقين؟ انا اري لحم الانسان بعيني المجردة ولكن ما يهمني روحه ببصيرتي المجردة ..

تبدأ القصة في المدرسة الثانوية..حازم طالب مجتهد له الكثير من الصداقات في الفصل مهما كانت عيوبهم ولكنه يتعايش معهم بشتي الاشكال ..لابد ان نتغاضي عن بعض العيوب والا سندفن وحدنا بادعاء كمالنا !!

شريف من اسرة فقيرة او ان شئت قل اسرة معدمة وهيهات ان اقول انا هذه الجملة ..أؤمن تماما ان لا شئ يسمي "أسرة معدمة" كما يقول بعض الناس..كيف تكون معدمة ؟ ربما فقدت الغذاء او السكن او كل شئ مادي ولكن ماذا عن القيم الروحية ؟ ماذا عن ابتسامة لطيفة لقرص الشمس في الصباح بدفقة أمل ضعيف ؟ ماذا عن حنان علي الابناء وحضن يائس ونظرة متسمرة علي رغيف خبز مقطوع بضحكة سخرية ؟ ماذا عن علم مرفوع علي سطح بيت من طين بلله المطر ولم يسقط العلم كما لم يسقط اخر حصن روحي ؟
صدقوني لا توجد اسرة معدمة توجد فقط الاسر الفقيرة ..


شريف لم ييأس قط ..كان صديق لحازم يستمد منه الأمل احيانا والعطف احيانا اخري ..كان شريف بقميصه المقطوع من اعلي الكتف علامة مميزة في الفصل..البعض يسخر من قميصه اليومي المعتاد والبعض يرثي له والبعض يسميه "شريف قميص" ولأننا نمل احيانا من الألقاب الكاذبة التي خلقها البشر فنحاول كسر التابوهات واطلاق القاب جديدة نهرب بها من القابنا القديمة وقد خلق شريف لنفسه شخصية كارتونية غريبة لمحاولة الهرب من لقب "شريف قميص" ولكن ما هو اللقب الجديد ؟ انه "شريف هوجان" !!

نعم انه "هوجان" بطل المصارعة القديم..ظل شريف لفترة يدخل الفصل في الصباح ويحي كل المقاعد ويلوح لهم بيده ويفتح بيديه القميص ويرمي لهم به احيانا ولكنه يسترده بالطبع في النهاية لانه لا يملك غيره ..ظل يصيح ويدعي انه بطل مصارعة..وكانت روح المرح لدي التلاميذ في المدرسة الثانوية تساعده علي هذا الخروج الأمن من اللقب القديم لاي لقب بطولة..كان ينظر الي حازم بفرحة وكأنه يقول "انظر لقد كسرت لقبي لقد اصبحت بطل في عيونهم ولو حتي بطولة زائفة"


احيانا نحتاج ان نعيش دور البطولة ولو في نظر شخص واحد ولو عشنا حتي هذا الدور فقط في عيون من نعشق..والحب هو اكبر دور للبطولة..
واخيرا وجد شريف في نفسه القوة المفقودة ..فالله قد خلقنا لنقتل المستحيل وليس كي نراه..

قال حازم في ارتياح مشوب بالحذر : شريف مالك ؟

شريف : انا كويس يا حازم وعمري ما كنت كويس زي دلوقتي

حازم: لكن ده مش انت..انت ليه بتعيش دور بطولة بعد انكسار الأولي انك تعيش مرحلة هدنة بين الاتنين

شريف : فاكر اما كنت بتقولي ان توفيق الحكيم بيقول ان القوة طاقة موجهة .وان الطاقة من غير توجيه مش قوة

حازم : ايوه لكن انت موجه طاقتك لايه بالظبط ؟

شريف : انا اقدر اصنع القوة من غير حتي طاقة..انا اللي شوفته في حياتي يخليني اقدر اصنع القوة من نظرة يأس أمي وقلة حيلة ابويا وجوع اخواتي ..انا ضعيف لكن هاكون قوي ..في يوم من الايام هاكون قوي

وخرج شريف مرة اخري وعاد يزأر كالأسد في وجه زملائه وسط موجات من الصياح منهم وكأنهم يقومون جميعا بدور في مسرحية "حياة شريف" يساعدونه ويمزحون معه باعتباره "هوجان" الذي يتهافت الجميع علي ان يلمس فقط يديه..او احيانا يبالغ فيوقع لهم علي دفتر المدرسة !!

لم تدم فرحة شريف طويلا فقد ظهر علي السطح "أيمن" ..وهو قصير القامة ولكنه داهية كان ابنا وحيدا لشيخ عجوز كان امام مسجد سابقا ..لمعت عين أيمن وثارت الضغينة في صدره لرؤية شريف وهو في هذه الشهرة المزيفة فالكل يسأل "لما لم يحضر هوجان اليوم" ..قال أيمن لنفسه "سأحصل انا علي نصيبي الأن بسلاح أقوي ..انها المتاجرة"


دخل أيمن الفصل ذات يوم وقال لأحدهم : اتاخر شوية يا اخي انا مش عارف اقعد

قال له : وانا مالي شوف مكان تاني

قال ايمن : اتق الله يا اخي ووسع لي مكان

كانت جملة ونظرة ايمن غريبة عليهم .."اتق الله" ..بدأت الجملة ترهب الجميع وكأنها جملة سحرية جديدة علي مسامعهم او لم يسمعوها بتلك الحدة من قبل والنبرة المصرة العنيدة..ان ايمن يمثل دوره وكأنه فعلا يفهم جيدا ويعي ما يقول فبدأت الرهبة تسري في نفوس الجميع من "حضرة الشيخ ايمن"  الذي بدأ يستخدمها كسلاح لتحقيق مصالحه الشخصية في الفصل..

ويالسخرية القدر اذ رأي أيمن ذات يوم في الفصل بعض الطلبة يتداولون بمراهقتهم "مجلة سكس" فلم يغضب ايمن بل قال : "اديني المجلة دي واتق الله
واخذها أيمن ورأه شريف خلف شجرة يقلب في صفحاتها بشهوة وشغف غريب ..وعندما حاول شريف استعادة شخصية هوجان لم يفلح لان ايمن قال لهم : "المصارعة حرام"

أقسم لهم شريف عدة مرات ان ايمن يقلب في صفحات المجلة وانه لم يأخذها لكي يتقوا الله بل اخذها له في منزله ولم يصدقوه بل قال احدهم "ان جائكم فاسق بنبأ"
"فاسق"؟؟ متي اصبح شريف فاسق وهو لم يفعل اي شئ يضر اصدقائه من قبل ؟ ما هذه النبرة الجديدة التي لم تسقط فقط شخصية هوجان الوهمية الخارجة من وحل الضعف والفقر بل اسقطت نظرات التعاطف واسقطت الرحمة فيهم وسادت نبرة السباب والتكفير والتفسير للدين حسب الأهواء والمطامع..


حازم : شريف حاول تبعد عنهم الايام دي

شريف : ايه اللي حصل يا حازم..ازاي سحرهم ايمن ؟

حازم : زرع الوهم في دماغهم لتحقيق مصالح

شريف : لكن الدين مش وهم

حازم : احتكاره للدين هو الوهم مش الدين نفسه

شريف : لكن ده بقي بيحركهم باشارة منه ده كانه سحر عقولهم

حازم : والدين حكمة عقول مش سحر عقول وخداع قلوب

شريف : انا لازم افوقهم

حازم : انتهي الامر يا صاحبي ..مش هيفوقوا دلوقتي..الخداع اقوي بكتير من الحقيقة لأن الحقيقة محتاجة بحث عنها انما الخداع بنتنفسه حوالينا من كل البشر..

شريف : يعني قوة الخداع في انتشاره ..؟ زي قوة الدين في انتشاره ؟  زي قوة الشمس في انتشارها؟؟ كل شئ بينتشر بسهولة قوي ؟

حازم : الحاجة اللي بتحتاج بحث عنها هي الاضعف لكن اما بتلاقيها بتبقي هي الاقوي وبتقتل انتشار الكذبة
زي الكنز طول ما هو مدفون محدش مقدر قوته لكن اما بتلاقيه بيكون مافيش قوة تضاهيه ساعتها ..الناس ليها اللي شايفاه..

شريف : معني كده ان هم مش عارفين الحقيقة طالما بيتكلموا كلام واحد بشكل تلقيني غريب ..هم لسه ما وصلوش للحقيقة

حازم : لو وصلوا للحقيقة كانوا اختلفوا واختلافهم رحمة..انما طالما هم مبرمجين كده تعرف ان دي كذبة

شريف : بس الفتوحات الاسلامية زمان كانت بالاجماع علي حقيقة واحدة وعلي قلب رجل واحد

حازم : ايوه دول فعلا لقوا الكنز الحقيقي مش مجرد مبرمجين علي حاجة واحدة بل انهم كانوا بيختلفوا ولكن اختلاف برحمة واحترام..دول فعلا لقوا الحقيقة ولقوا الكنز انما دلوقتي اللي بيحصل ان

الكنز مدفون والكذبة منتشرة.



فجأة يدخل مدير المدرسة :

المدير : شريف تعالي هنا

شريف: ايوه يا استاذ

المدير : هات شنطتك دي

شريف: اتفضل


يقوم المدير بتفتيشها ويجد "المجلة الاباحية" التي كان يملكها أيمن والتي دسها له في حقيبته ليضعه مثار للشبهات وضحية للقيل والقال :

المدير : زي ما توقعت زي ما قالولي..انت اللي بتوزع الحاجات القذرة دي علي الفصل

شريف "مندهشا" : ايه ده ؟ ايه اللي جاب دي هنا؟ واللهي مش بتاعتي صدقني دي بتاعة ايمن

المدير:  ايمن؟ بقي أيمن بأخلاقه هيعمل كده برضه ؟ تعالي معايا


نظر شريف بغضب الي ايمن وهو يخرج من الفصل بينما ابتسم "الشيخ ايمن" وقال لاصدقائه : عشان ما بيتقيش ربنا


ولأول مرة رأي حازم شريف يبكي بعد انتهاء اليوم الدراسي..لأول مرة رغم الفقر والجوع الذي حاصره مع عائلته لسنين طويلة الا ان حازم عرف حينها الحقيقة "ان القهر اقوي الف مرة من الفقر"
عرف ان شريف كان مقهور جسديا بالجوع والعطش ولكن قهر الروح وتكبيلها هو القهر الحقيقي الذي يقتل البشر..


تفرقت بهم السبل بعد المدرسة وذهب كل منهم في طريق وجامعة مختلفة حازم في مكان وايمن في مكان الا ان شريف لم يكمل تعليمه بسبب الفقر والحاجة والحرمان..

سنوات طويلة باعدت بين الاصدقاء كما هي عادة البشر الذين جعلوا من السنوات والايام حاجزا ونصبوها ملكة عليهم رغم انها مجرد ارقام ..واستغلت السنوات قوتها في تاريخ البشر ولم ترد لهم الجميل بل فرقت بين الأحبة وفرقت بين الاصدقاء ولم ترأف بهم الا في يوم واحد في العام يحتفلون به وهو يوم ميلادهم..جعلت لهم يوم واحد يهربون من قوتها وقسوتها وان كانوا يحتفلون بها في نفس الوقت !! ان الايام والسنوات ستبقي ابد الدهر اقوي من البشر..

دعونا نرجع لأيام الثانوية ..ما الذي جعل أيمن كما يقول البعض "يلعب بالبيضة والحجر" ؟؟ ان اباه هذا الشيخ العجوز المتقاعد كان ايضا ضحية القهر وليس فقط شريف كان الشيخ والد ايمن دائما ما يذهب للسجن في نظام مبارك البائد ..دائما كان ايمن يبكي كل ليلة لان والده مسجون بغير تهمة معينة..ودائما كان في زنزانته يتشوق لرؤية ايمن ابنه وفرقتهم الاسوار العالية..

ان الصراع الدائر في الثانوية كان صراع القهر المولود من القهر  والقهر المولود من الفقر..انهم رافدين لنظام بائد فاسد ..الفقر والقهر..كان صراعهم في كل مكان ..ينتشر انتشار النار في الهشيم..
وسقط نظام مبارك ..وقابل شريف حازم بالصدفة بعد فترة ومازلت نظرة الحزن في عينيه من افعال الزمان :

حازم : شريف ؟؟ ازيك وحشتني جدا انت فينك يا راجل والله سألت عليك كتير معرفتش الاقيلك مكان انت بتعمل ايه هنا ؟

شريف " في انكسار" : ازيك وحشتني يا صاحبي واللهي ليك شوقة..انا بقدم الشاي والقهوة يعني وظيفة علي قدي


وما اشبه اليوم بالبارحة..مازلت في اكمام قميص شريف نفس القطعة الممزقة ..وكأن سقوط مبارك لم يصلح قطعة القميص الممزقة..شريف الذي ترك الدراسة بعد الثانوية الان يقدم الشاي والقهوة ومازال في النظام الجديد هو نفسه في النظام القديم..

حازم "في احباط" : الثورة ما غيرتش حاجة يا شريف ؟

شريف : بص لقميصي

حازم : قميصك ده طاهر يا شريف انت عمرك ما عملت حاجة غلط في حياتك....انت عايشها بكرامة

شريف : ارفع راسي فوق انا مصري ؟

حازم : دي مش مجرد شعارات يا شريف صدقني هييجي اليوم اللي هتلاقي فيه الكرامة والعزة ليك ولعيلتك ولمصر كلها..

شريف : النظام الجديد معملش حاجة..واقولك مفاجأة ..فاكر ايمن ؟

حازم : اه ايمن ..الشيخ ايمن الكداب ماله ؟

شريف: بقي صاحب قناة دينية دلوقتي وغني جدا من بيع المنتجات وبيع الكذب

حازم: ايمن بتاعنا؟؟ يا دي المصيبة ..البلد كلها بقت خراب زمم

شريف : هي البلد دي خرجت من قهر مبارك لقهر جديد ؟

حازم : الظاهر كده يا شريف..

شريف : ليه الظلم مكتوب ؟

حازم : لان النور كمان مكتوب ولكن كل حاجة ليها وقت ده قدر

شريف :وليه قدري الحرمان ؟

حازم : اثبت يا شريف ..الصبر والايمان نقدر نخلي القدر صوتنا بدل ما نكون صوته..هو هيسمعنا صدقني وربنا معانا

شريف : انا مش عايزك تضيع مني تاني هات رقم تليفونك

حازم : طبعا يا شريف لازم نتقابل تاني زي زمان



30 يونية 2013 :


في مكالمة تليفونية :

شريف : شوفت اللي بيحصل يا حازم الناس كلها خرجت تخلي القدر صوتها ..الناس كلها بتتمرد علي الكدب والقهر ..القهر بتاع ايمن زمان اللي كذب علينا بإسم الدين

حازم  : ايمن ده مش شخص واحد يا شريف ايمن ده نظام وطريقة تفكير قذرة مخادعة موالية للشيطان في تحقيق المصلحة الفردية

شريف : الشعب مش هيسكت انا مش هاسكت انا رايح عند المقطم

حازم : شريف..لأ ما تروحش عند المقطم..ما تروحش عند المقطم انا سامع ان هناك مشاكل خليك عن الاتحادية خليك مع السلميين بلاش المشاكل هناك انا خايف عليك منهم

شريف : مش قادر يا صاحبي ..مش قادر افضل هنا انا مخنوق من سنين انا ماشي مع السلامة00

حازم : شريف..شريف ما تقفلش الخط..ارجوك انا خايف عليك..شريف شريف


واغلق شريف الخط واعلن سقوط عدد من الضحايا امام مقر الجماعة بالمقطم ووجدوا جثة شريف :


حازم يبكي ويقول لنفسه امام الجثة : بنفس القميص ..بنفس القطع في القميص..مات شريف..مات شريف يا عالم ضحية لايه هو نفسه مش عارف كان ضحية ايه..ضعفكم ولا كذب الانظمة ولا ضحية ايمن وامثاله من الفجرة في التدليس..
شريف انت هتموت بكرامة زي ما عشت بكرامة..عشانك انت يا شريف كلنا هنفوق من الافاقين والكدابين وتجار الدين ..ومش هاسيب حقك ..واللهي ما هاسيب حقك لاخر يوم في عمري..يا صديقي المخلص..


واعلن الجيش البيان ..
وصرخ حازم في التحرير..وخلع قميصه ورماه لبعض الحضور اثناء الاحتفالات واطلاق الصواريخ..والغريبة ان صوته كان يخترق كل هذه الاصوات بل وصل الي عنان السماء..صوت حازم الهادئ الرزين الذي خلع قميصه كان اعلي من الالعاب النارية وصراخ كل المحتفلين بالنصر علي الكذبة ونظام الخديعة..
هل عرفتم لماذا ؟

انه ""هوجان" الجديد..انه الأن روح شريف ..ولكن اين هو ايمن الأن..مطلوب للتحقيق..
قال حازم لنفسه : مطلوب للتحقيق ؟..انه لابد ان يحاكم مرتين ..لانه كذب بإسم "اتقاء الله" ولم يتق الناس ابدا ولم يحسن معاملتهم..انه الشيطان بزي الملائكة..

عرف حازم هذا الخبر من مكالمة تليفونية في التحرير علي هاتفه ثم صرخ مرة اخري ورمي قميصه وهو يحي الناس ويصفق ..ويقول : "انا هوجان..انا هوجان"

وتتساقط الانظمة الفاسدة كأوراق الخريف..وفي انتظار نظام يعيد البسمة لوجه شريف في قبره..في انتظار نظام لا يصنع بطولة هوجان الزائفة كهروب من القهر بل نحتاج نظام يصنع القوة الحقيقية بداخلنا ويحقق لنا حلم السنوات ويرد مصر لأحضان المصريين..

No comments: