Saturday, March 9, 2013

ساندي ومهـرجان الألـوان...قصة قصيرة






" قلوبنا لوحات خلقها الله ..ولم يترك لنا اختيار من يلونها لنا ..
فأنتم دائما لوحة غير مكتملة..
وقد يكون هذا منبع عظمتكم وجمالكم الأبدي"



سالم..
أحب أن أختاره بطل القصة..هو لن يعبأ إطلاقا فهو بطل حياته ولن يهتم بقصتي عنه..فهناك نوعان من البشر من تكون حياته تنتظر ان تتجسد في قصة ومن يعيش اصلا في قصة ينتظر تجسيدها الي حياة حقيقية !
لم يكن سالم الا من أصحاب التجارب الغير مكتملة مثل الكثير من البشر..لم يكمل زياراته لمعالم بلده ولم يكمل تعلم اللغة الألمانية التي شرع في تعلمها سابقا ولم يكمل حتي قصة حبه بل تركها معلقة بين الجنة والنار في انتظار ملاك مخلص يعيدها اليه ..دائم الاعتماد علي غيره لا يعطي لنفسه مساحة وحرية الفعل وكثيرا ما يكون الحرية في الفعل نفسه وليس في حرية ان يختار الفعل.

سالم مائل الي السمرة قصير القامة غائر العينين بحكم عمره الذي تخطي الخمسون عاما ولا يملك الا قصة زواج وقصة حب مقتولة.. وكم اكملوا الناس حياتهم بزواج سقط كما الغراب علي قبر قصة حب ومازال ينبش بقدميه لاعادة كشف الجثة وهذا ابشع ما في الذكري واعادة احياء الأحزان المدفونة.

لا يملك في حياته الان الا ابنته ساندي الطفلة الصغير ابنة السادسة بينما ماتت زوجته منذ فترة بسبب المرض الذي يلقبونه دائما في بلادنا ب "المرض الوحش" واحيانا "المرض البطال"

لم يخدع نفسه ابدا او حاول تزييف الحب كما يفعل البعض بعد الزواج ويدعي ان هذا هو حبه الاول وما كان ما سبق الا تجربة او نزوة او اعجاب..
سالم لم يقتنع الا بوجود الحب الأول لعدة أسباب ..أولهم ان الحب قانون ولا يخضع لقانون الترقيم فالحب أول ولا يوجد ما يدعي حب ثان وحب ثالث والا سقط سلطان الحب تحت طائلة الارقام وهذا مستحيل..
ثاني الأسباب انه مقتنع ان الحب الاول هو الحياة نفسها بينما الحب الثاني هو مجرد استمرار لتلك الحياة ..وثالث الأسباب انه مقتنع ان المرأة التي أنبتت في قلبه شجرة الحب ووضعت البذرة لا يمكن ان تتساوي بمن ترعي تلك الشجرة ..هل يعقل ان تتساوي خالقة الشجرة بمن تسقيها ؟؟

ولذلك كان صريحا جدا مع اصدقائه ويقول دائما "لا مقدرش اقول اني بحبها لكن بعاملها بما يرضي الله..ايوه بعاملها بما يرضي الله لكن الحب بعيد قوي راح مع اللي راح زمان"

الحب الثاني..وجود الحب الثاني ..حتي لو خلق الحب الثاني ..كان ما يشغل عقل سالم باستمرار ..يتسائل لما لم يوجد الحب كما الفرصة اي ان نجد منه الثاني والثالث بنفس القوة التي يملكها الأول..
لماذا يصبح الحب مع الوقت مثل لوحة "دوريان جراي" يحتفظ بشبابه بينما تشيب لوحته التي في قلوبنا بفعل الهجر !!
ومن الأسبق في سفر التكوين ؟؟ هل هو الحب ام الحزن ؟؟ هل مملكة الحب حدائقها قطوف من أحزان وانهار شجن وقطوف دانية من الدمع القاتم ؟؟
وهل يوجد للعشاق "ريشة ماعت" ؟؟ وهي كما يعتقد الفراعنة ريشة يوزن بها القلب لمعرفة مثقاله من خير وشر ..فهل قلب العاشق يقيم بريشة ام برمش إمرأة ؟؟

جلس سالم في احد ايام الاجازة مع ابنته الوحيدة الرقيقة وكأن جلوسنا مع الاطفال اعادة احياء بواعث الطمأنينة في نفوسنا بأن كل شئ برئ وكل شئ في الدنيا علي ما يرام ولا يوجد شر في العالم سوي هذه اللعبة الصغيرة في يدها التي تضرب بها الاخر وتقول "بوم..خد دي"  بينما يتجسد الخير في عيون الاطفال في كل ما يرونه سواء زهرة او ثعبان ..فحينما تجد الثعبان في عينيك شرير فاعلم ان الطفل لا يجد فيه الا كائن ناعم الجلد وانعم من "غزل البنات" !!

الحاكم الفاسد في عين الطفل لا يوجد فهو دائما اسمه "عمو الرئيس" ..واخبار السياسة السوداء ليست عندهم الا ورقة كبيرة يستطيعون ان يلقوا عليها الألوان والصلصال كما تطبخ عليها بعض العائلات التي لا تلقي بالا للسياسة ولا لفساد العالم ..فالبطاطس المقلية أولي بصفحات الأخبار من عيون الحزاني !!

كانت تلعب في احد الايام بينما جلس بجوارها سالم ب "لاب توب" هذا الجهاز اللعين الذي افقد الاسرة من محتواها وافرغ العواطف في "استيتس" علي الفيس بوك او بعض التظاهر الخداع كحقيقة هذا العالم..هذا الجهاز الذي اصبح عند بعض الناس وسيلة للإدعاء والزيف والبهتان وقلب الحقائق والتظاهر بالرحمة في قلوب بعضها بطناته سوداء وفيها تقرع الحية لو تعلمون.

سالم لم كان دائما يري في هذا الجهاز منذ ظهر علم البشرية ومعرفتهم ولكن ايضا مع العلم والمعرفة سلبيات الزيف والمجاملات والنفاق وهدم كيان الاسرة السعيدة في سبيل الحصول علي "لايك" !!
تترك بعض النساء زوجها واطفالها والعالم بأكمله في سبيل الحصول علي لايك ..فقد خلق الاطفال بالنسبة للبعض للتجارة بهم وادعاء السعادة وحالة النيرفانا والجنون بهم وهم ليسوا اكثر من مجرد صورة فوتوشوب للحصول علي جملة النشوة "ياسلام يا بختكم ببعض"  !!

كان سالم يترك الجهاز وكل مشاغله اذا قالت له الطفلة بكل براءة "بابا" ولم يكن يؤمن بكلمة "ثواني" او "اما اخلص"  ..فالأبناء ان لم يكونوا أولوية الأباء فما هي الأبوة أو الأمومة اذا التي اصبحت في ايامنا مجرد أموال تغدق اناء الليل واطراف النهار بلا عاطفة ..وكأنها تسمي الأن "عاطفة نوت"  كما "البنكنوت"

قالت له ساندي : بابا ..ممكن ألون ؟

سالم : طبعا ممكن يا حبيبتي..ألون معاكي ؟

ساندي : عايز تلون ايه يا بابا ؟ نفسك تلون ايه ؟


نفسك ؟؟اه من وقع هذه الجملة علي قلب عاشق او صاحب حلم ..يالصرختها المدوية وان نطقت من لسان يغلفه الحنان المبطن بالسكر ..نفسك تلون ايه ..
هكذا فكر سالم بينه وبين نفسه وكان للجملة وقع الصاعقة عليه ..

سالم : ايه..نفس الون ايه ؟ نفسي الون كل حاجة يا ساندي..نفسي الون العالم كله..

ساندي: هو ينفع يا بابا نلون العالم كله ؟

سالم : لو العالم كله حب يتلون يا حبيبتي في يوم هينادينا

ساندي: وهو العالم هيكلمنا يابابا ؟

سالم : ايوه

ساندي: طيب ما نلونه احنا من غير ما ينادينا ..يلا نقوم نلون


كان سالم يتحدث عن الحب والحياة بينما كانت ساندي في عقلها البرئ الطفولي تتحدث عن الجدران واوراق الجرائد الملقاة علي الارض لمقالات طواها سالم بعد قرائتها.
لا يعرف لماذا شدته الكلمة "نلون".."تلوين".."ألوان"..بعض الكلمات وكأنها شراع تنتظر منك نفخة يأس لتصبح هي كل الأمل ياللغرابة..

سالم : ساندي انتي فكرتيني بحاجة كان نفس اعملها من فترة وسمعت عنها..

ساندي: ايه يا بابا ؟

سالم : انتي بتحبي الألوان يا ساندي قوي ؟

ساندي : اوي يا بابا بموت فيها

سالم : انا هافسحك في وسط الألوان نفسها ..

ساندي تضحك ببراءة : ازاي يا بابا ؟ انا عايزة ابقي لون اخضر ..

سالم : ياريت يا بنتي تفضلي لون اخضر ومافي حاجة تعرف تلونك لون تاني

ساندي : يعني ايه يا بابا ؟

سالم : ولا حاجة تعالي نشوف هنا عل الانترنت هاوريكي حاجة

ساندي : ايه ده يا بابا

سالم : دي حاجة اسمها مهرجان الوان..الناس بتروح وبترمي الألوان علي بعض..

ساندي : اخاف يا بابا

سالم : ما تخافيش يا حبيبتي انا هاكون معاكي وهم بيرموا الالوان هزار ما تخافيش من حاجة ابدا في الدنيا طول ما انا معاكي


قال سالم لنفسه : "أي عالم هذا الذي تخاف فيه طفلة من الألوان ؟؟ومن اين عرفت الخوف والطفولة طمأنينة ويقين ؟؟
لقد عرفت ان الحب كما عمر الانسان : طفولته الخوف..وشبابه رهبة اللقاء وشيخوخته الفراق..
ولكن من اين تعرف هي الخوف يا هذا العالم القاسي المقتول المشاعر ..؟


ساندي : بابا انا هاخاف صدقني ..روح انت وانا هاقعد هنا الون مع الدادة..

سالم : خلاص يا حبيبتي انا هاروح واحكيلك والمرة الجاية هاخدك معايا

نطقها سالم كما الأطفال كان يريد هذه التجربة بأي ثمن ولا يعرف لماذا..هناك أشياء في احياة تشدنا لكونها هي ولا يوجد أي سبب لكي نفعلها الا البحث عن الحقيقة فيها او عن انفسنا في اكمالها..


وعند بوابة المهرجان بعد ثلاثة أيام ..

سالم : هو مهرجان الالوان هنا ولا فين ؟

الحارس: اه هنا يا استاذ اتفضل


كان سالم يعرف تلك النظرة في عين الحارس نظرة استغراب فأي رجل في عمر الخمسون يأتي لكي يلقي الألوان علي الشباب ؟؟ هل يريد ان يضحك علي عمره او علي مفرقه الذي شاب ؟؟

كان المكان واسع جدا كما حديقة غناء مليئة بالشباب في كل الاعمار وتقريبا كان سالم هو الأكبر سنا ومحظ أنظار بعض من يرونه لأن البعض لم يعره اهتمام من فرط الحركة وكم الألوان الملقاة من كل حدب وصوب..
كان المشهد في عين سالم هو الحياة..كان يري الحياة مهرجان الوان..بعضنا يتلون بالحزن الأسود..وبعضنا يتلون بلون الأمل الأخضر ..وبعضنا شفاف كما الحب..لا لون للعاشقين..فحاذر ان يلونك الا من يحبك ويتمني لك الخير..

وقف سالم شارد ينظر الي كل تفاصيل المكان الي ان سقطت عليه بعض الألوان..الي ان سمع الصوت من خلفه ..

فتاة : انا اسفة جدا

لم ينظر سالم حينها الي الألوان فقد وجد في عينيها شلال ألوان لا منبع له ولا مصب..فهو مكتفي بذاته مكتمل بوحدته ..
سيسأل البعض هل هو الحب الثاني ؟؟ هل أحبها بنظرة واحدة ؟؟ وهل تتغلب نظرة الحب الثاني علي نظرة الحب الأول الأولي ؟؟

لا لم يكن الحب ولكنها كانت الذكري .. تلك الذكريات التي تغني لنا كمغنية الاوبرا في كل ما يذكرنا بلحظة ديمومتنا الأولي وحبنا الاول..
كانت تشبه حبيبته الي حد بعيد..العين بلون تفاحة خضراء والقلب برائحة ذكري المساء والخد كما التوت البري والجسد كما الذي اغرت به فينوس باريس ..نعم هي "هيلين" اسطورة تتجدد..

قال لها بصوت كما النحيب : لا مافيش حاجة..انتي متعودة تيجي هنا دايما ؟

لا يعرف حتي لماذا سأل هذا السؤال ولكنه كان محاولة لجعلها تقف امامه اطول فترة ممكنة كي يتأكد هل هي إمرأة ام هي دوامة زمنية سقطت فيها وداخت كل أحلامه وسنوات عمره ..
هل هي وهم شباب ام حقيقة تقمص وتكرار سنوات ولت ولقت حتفها..
هل هي إمرأة ام انتحار امنيات جديدة من علي طرف شفاهه ؟

قالت في خجل : اه يعني..بحب الألوان وبروح مهرجانات كتير زي دي..حضرتك اول مرة ؟

سالم : تقريبا دي التانية ..اه شكلها كده تاني مرة..فات عليا المهرجان ده قبل كده من سنين

كان سالم يحدث نفسه كعادته عن الحب بينما هي تتحدث بكل براءة عن المهرجان..ولكن الفتاة كانت اذكي من ان يتم خداعها بالاسقاط اللفظي بسهولة فسالم كان من الواضح عليه جدا انه ياتي لأول مرةفي حياته الي مهرجان ألوان فدائما ثق في عين الخبير وياحبذا لو كانت عين إمرأة فاحصة ثاقبة ..

قالت بذكاء وتحدي : واول مرة كانت امتي ؟

قال : من ييجي حاجة وعشرين سنة ؟؟


ضحكت الفتاة ضحكة طويلة صاخبة يكاد يتحول لها سالم الي تمثال شمعي كي تنحته كيف تشاء بضحكتها ..
تكاد ضحكتها تعيد بعث سالم في صورة كريات دم متوردة علي شفاه تضحك..

ثم قالت : علي فكرة ماكنش فيه الكلام ده من زمان قوي كده دي مهرجانات جديدة ..

قال : نفس الألوان صدقيني نفس الألوان ونفس التفاصيل..

قالت وهي تبتسم :  يمكن الوان الذكريات ..الوان جميلة مش كده ؟

قالتها في دلال وهي تلعب باحدي خصال شعرها الذي تدلي كما الثمر اللذيذ في جنة خلد..ونظرت الي عينيه التي ذابت علي يد صائغ الحب الي كل تفاصيلها وملامحها..

قال : لا يمكن لا يمكن..انا اسف انا ماشي..ده شئ مش موجود..مافيش حاجة اسمها كده

قالت : انت زعلت مني ؟

قال : لا انتي بتزعزعي ايماني بقضية مهمة جدا..مش هتقدري تكسريها ولا تحطميها مهما كان الشبه..

تدارك لسانه بسرعة وقال : انا اسف انا مش عارف انا بقول ايه ..بجد انا اسف فرصة سعيدة جدا يمكن اشوفك تاني صدفة..


خرج سالم مسرعا في مشهد مسرحي غريب فكلما خطي خطوة تسقط عليه حفنة من الألوان وكأن المكان كله كان في مؤامرة عليه وحده حتي شهق شهقة من فرط كميات الالوان الساقطة علي وجهه التي كادت تكتم انفاسه
مر مسرعا من تحت الاخضر والاسود والابيض حتي خرج سريعا الي منطقة الحياة..خرج من الحديقة كلها وخرج من محاولة تلوينه..
كان هروبه هروبا من محاولة بعث حب ثاني..كادت الفتاة ان تسقط نظريته عن خلود الحب الأول فهرب سريعا..وتلك ارادة العشاق..
لا يعرف هل كان عليه ان يستسلم كما استسلم قديما ام ان يفر مسرعا محافظا علي خلود حبيبته في قلبه ..
هل كان اثبات النظرية في الهروب .. اذا فكيف تكون النظرية صالحة وانت تهرب من اول حجة دفاع تفندها وتقتلها داخلك ؟
هل كانت روح سالم الشفافة ستتلون الأن في تلك اللحظة علي يد تلك الفتاة العشرينية الغريبة الشبيهة بالمدي ؟؟

اخرج هاتفه سريعا من جيوبه وسأل "الدادة" عن حال ابنته في المكالمة :

سالم : ازيك يا دادة ايه اخبار ساندي ؟

الدادة : كويسة يا بيه ولونت كل الاخبار بتاعة حضرتك القديمة وفي الاخر قالت انها خايفة لحسن تزعل منها

سالم : لا عادي يا دادة قوليلها دي اخبار قديمة لونيها زي ما انتي عايزة طالما الورق في مكان يتلون لونيه ..لوني معاها يا دادة خلي الناس كلها تلون يا دادة..


اوراق سالم ومقالاته السياسية تم تلوينها..ولكنه ما زال يري امامه في الشارع الان الأمن يضرب ويسحل في مواطن ويلقي قنابل الغاز..

قال في صوت كالرعد : بتضربه ليه ؟؟ ساندي لونت الاخبار السودا كلها..ساندي رجعت الحياة لأخبار كذابة فاقدة الحياة..بتضربوه ليه ؟؟
ايه اللي باقي غير اخبار ابيض واسود..ليه ما بتتلونوش ابدا..ليه حياتي كمان مش راضية تتلون وهربت من كل الالوان..ليه بتهربوا يا عالم من الوان القدر ؟؟


بكي سالم وهو يصيح ولا يسمعه احد في وسط احداث وشارع سياسي صاخب..هرع سريعا الي منزله

قال : بسرعة يا دادة ساعديني ساعدوني كلكم طلعوا كل المقالات

الدادة : مالك يا سعادة البيه

سالم : هنلون..كلنا هنلون كل المقالات السياسية وكل حاجة احتفظت بيها حتي الاشعار الحزينة هالونها

الدادة : لكن اشعارك يا بيه احتفظت بيها سنين هتبوظها ليه

سالم : مش هبوظها يا دادة انا هلونها..كل حاجة حزينة محتاجة تتلون..فاهمة يا دادة لازم نلون كل حاجة في حياتنا


وفي تلك الليلة كانت اسعد ليالي الطفلة ساندي ومارست فيها كل اساليب التلوين حتي عل جدران البيت وكان سالم يلون كل ما يراه بشكل هستيري لم تعهده الدادة من قبل في نظرته حتي انها خافت منه قليلا في هذا اليوم..
ونام سالم من فرط التعب وهذا اليوم الطويل حتي استيقظ في صباح اليوم اللاحق علي وجه ابنته المبتسمة

 وقالت له في صوت رقيق : بابا انت تعبان ؟؟

سالم : لا يا حبيبتي انا بتغير ..


ومازلنا لا نعرف ما الذي تغير في سالم ..هل هي نظرته الي خلود الحب الأول..هل فتح شبابيك قلبه من جديد لدخول نور الحب ؟؟ لا يعرف ولكن الذي عرفه في الألوان ان كل شئ قابل للتغير حتي الوان السياسة القاتمة وحتي القلوب العاشقة..فقد تعود من جديد ..اكثر حبا ويقينا..

Monday, March 4, 2013

أيها الحكام...ألا تعاقبون أنفسكم ؟؟








الضمير..هل فعلا لسه موجود المصطلح ده قدام عين الرؤساء ؟ ..انا بس بسأل عن المصطلح هل هم شايفينه لان الضمير أكيد اتقتل جواهم من زمان بس ياريت يكون لسه سامعين عنه ولو علي الورق..

كان نجيب محفوظ في كتابه الرائع "ليالي ألف ليلة" بيقول في جزء من الكتاب  في حوار بين شخصيات الرواية :

- ما تصورتك خائنا أبدا..وظننت ان المحنة التي وقعنا فيها جميعا قد طهرتنا وأن حياتنا ستقوم علي العدل والنقاء واذا بك تخون الأمانة وتستهين بالكرامة وتتمادي في الفسق والجريمة.

وكان الرد ما يلي :

- لا أنكر شيئا مما تقول لقد أعلنا توبة ..ولكن الشيطان لم يتب بعد.


الحوار ده تحس كأنه لسه بيحصل بيننا دلوقتي ..فعلا قمنا بثورة وافتكرنا انها طهرت اي حاكم جاي وانه خلاص هيكون العدل هو كل هدفه لكن فعلا الظاهر الحجة هي ان "الشيطان لم يتب بعد"

وبمناسبة الكلام عن الضمير ..كان غاندي بيقول في مقولة من مقولاته الخالدة :

"هناك محكمة عليا أعلي من كل المحاكم..ألا وهي محكمة الضمير"



شوفنا في "العيب" ليوسف ادريس و"القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ ازاي الضمير بيموت قدام السلطة او الفلوس ..و "الشيطان والأنسة برايم" لباولو كويلو شوفنا فيها الصراع بين الخير والشر جوة الانسان ..وشوفنا في "دكتور زيفاجو" ازي الضمير بيموت بسبب الحكم والسلطة بعد ثورة
او "براكسا..مشكلة الحكم" لتوفيق الحكيم وكتير من الاعمال الادبية اللي كان من ضمن زواياها موت الضمير لحاكم او شخصية في الرواية او المسرحية.


الأديان اتكلمت عن الضمير بشكل اوسع من خلال الكلام عن الصراع بين الخير والشر سواء الاسلام او المسيحية او اليهودية ..وكتير من العقائد او الأراء الفلسفية ناقشت بشكل واسع قضية الخير والشر جوا كل انسان لدرجة ان زرادشت اللي كان متأثر بيه نيتشة بشكل واسع كان بيقول ان فيه صراع بين اله الخير واله الشر..وجبران خليل جبران كان متأثر بنفس الفكرة دي في كتبه وناقش قضية الخير والشر من خلال تأثره بنيتشة .


الحاكم لأي دولة بدون ضميره وبدون سيطرة الخير جواه علي نزعاته الشريرة يبقي مجرد أداة للطامعين ووسيلة لزيادة الفاسدين..
وهنا هاذكر بعض الأمثلة من دول مختلفة عن ناس كان عندها ضمير لدرجة عقاب النفس..انا في الأمثلة دي مش بقول للحاكم ينتحر من فساده ولكن يخجل من نفسه..  بنشوف صور مختلفة لناس عاقبت نفسها لما لقت نفسها ماشية في طريق غلط وياريت الحاكم يحط الصور دي قدامه كامثلة عن ناس عندها ضمير او بمعني اصح "ناس عندها دم" :




1- خبر منشور بيقول ان شاب مصري يقطع يديه بنفسه لكي يمتنع عن ممارسة السرقة التي كان يمتهنها لسنوات .

وده نص الخبر المنشور :

وأكد الشاب، أنه قرر معاقبة نفسه اختيارياً لكي يتخلص من داء السرقة وقام بقطع يده اليسرى عن طريق النوم أمام قطار سكك حديدية، لكنه لم يتوب عن السرقة في المرة الأولى فقام بتكرار الفعل ذاته وتخلص من يده اليمنى، لكي تنعدم أمامه فرصة السرقة تماماً.
وقال الشاب في  برنامج “مصر الجديدة” مع الاعلامي معتز الدمرداش، “إنه شعر بالندم من تلقاء نفسه على كل حادث سرقة ارتكبه في حياته وفي الوقت نفسه غير نادم على قطع يديه اختيارياً”.




2- قرر صحفي روسي أكل مقالاته التي تنبأ فيها بمعلومات خاطئة عن وزارة البنية التحتية بروسيا، تنفيذاً للوعد الذي قطعة على نفسه قبل سنتين.

وده كان نص الخبر وبيقول :

ونقلت جريدة "دنيا الوطن" أن فيتشسلاف ليدوفسكي كان تنبأ بعدم جدية مشروع وزارة البنية التحتية في بناء جسر فوق نهر ينيسي، مؤكداً للقراء أن الحكومة لن تبدأ هذا المشروع قبل عام 2015 وليس في 2012 كما هو مصرح به.

وقال ليدوفسكي: "أقسم، لو فعلها المسئولون، سآكل كل ما نشرته عنهم في مقالاتي، وأمام الجميع".
ولكن تبنؤات ليدوفيسكي خابت بعدما حققت الوزارة الوعد وبدأت في المشروع 4 ديسمبر 2012 أي قبل الموعد الرسمي بـ15 يوماً، مما أضطره إلى أكل مقلاته بالكامل بعد غمسها فى حساء من القشدة ليتمكن بالكاد من ابتلاعها. وقال ليدوفيسكي أمام كاميرات التصوير: "فعلت ذلك ليعرف العالم أنني صحفي محترم، أحب مهنتي وأقدر قواعدها، وها أنا ذا آكل أمامكم مقالاتي الكاذبة وأنشر الفيديو على اليوتيوب ليعرف الناس قيمة الكلمة الصادقة فى الصحافة".





3- وكمان كان في حادثة شهيرة لوزير زراعة ياباني انتحر بسبب فضيحة وما اكثر اما بيحصل ده في الخارج امام الفضايح السياسية وغيرها ..يمكن هو جنون اه انما اما تشوف حالة الحكام العرب تحس ان ده مش جنون ده وجع الضمير او هروب من فضيحة مش زي عندنا قمة التبجح في الفساد..


والخبر بيقول :

 انتحر وزير الزراعة الياباني توشيكاتسو ماتسوكا قبل ساعات من مثوله امام جلسة المساءلة التي كان من المتوقع ان يعقدها البرلمان بسبب فضيحة تتعلق بتبرعات سياسية وعقود مزورة، حسب مسؤولين. وعثر على الوزير فاقدا الوعي في مقر لأعضاء البرلمان ونقل الى المستشفى حيث لفظ انفاسه، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وذكرت تقارير صحافية ان الوزير، 62 عاما، شنق نفسه باستخدام حبل تم ربطه بباب غرفة الجلوس. ويعتبر انتحاره ضربة لرئيس الوزراء الياباني شينزو ابي وحكومته التي فقدت الكثير من شعبيتها بسبب الفضيحة.

وقال مسؤول حكومي لرويترز «سيكون لذلك أثر سياسي بالغ ولكن في الوقت الحالي يصعب تحديد حجمه». ويأتي انتحار ماتسوكا في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية ابي الى أدنى مستوياتها منذ توليه

المنصب في سبتمبر (أيلول) الماضي، ويرجع ذلك بشكل كبير لغضب الناخبين من سوء الادارة في نظام معاشات التقاعد حيث أقرت وزارة التأمينات الاجتماعية بحدوث خطأ في بيانات 50 مليون حالة سداد مما يعني أن بعض اليابانيين يتقاضون على الارجح معاشات تقاعد أقل مما يستحقون. وقال ابي ان حكومته ستحاول حل المشكلة وضمان دفع معاشات التقاعد بالكامل ولكن الناخبين لم يقتنعوا فيما يبدو.




4- وكمان في كان في قصة قديمة بتقول ان احد الوزراء تعهد لاهل مدينته انه لو ما نفذش وعوده في فترة معينة هيجري حوالين المدينة كلها علي رجليه وفعلا حصل انه منفذش الوعود في الميعاد المحدد وراح جري حول المدينة كلها !!




5- ايام زمان كان فعلا زمن الضمير والعدالة ..طبعا الامثلة كتير جدا من ايام عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ولكن من القصص الشهيرة عن ضمير عمر بن الخطاب وعدله انه كان بيقول لمعدته اما يحس بالجوع الشديد "قرقري ما شأت ليس لكي الا هذا"  وكان يقصد القديد والزيت...كان مبياكلش عشان يوفر الاكل لاهله وناسه لدرجة ان الناس قالوله "يا عمر ارفق بنفسك واهلك"

انما دلوقتي الحاكم مش بيرفق باهله ونفسه ده بيجيبلهم العربيات والماركات اشكال والوان انما الشعب هو اللي معدته بتقرقر والحاكم فقط بيقرر القرارات الظالمة والفاسدة.!!

وكمان عمر مرة خبط واحد من الرعية في كتفه بسبب حماسه في الحديث ولكنه اصر علي الراجل انه يردله الضربة لانه شعر بالذنب !!  قمة العدل والضمير ايام الرسول والصحابة جميعا..




وبعد كل القصص دي امتي نشوف الزمن اللي الحاكم فيه عندنا في الدول العربية يحس فيه بتأنيب الضمير علي اللي بيقترفه في حق شعبه ..
ولا يا تري كرسي الحكم عندنا هو مقصلة الضمير الكبري ؟؟

Wednesday, February 27, 2013

حب كالنسيم بل أشد قسـوة








"حينما قال نزار قباني "يا وجعي وياوجع القصيدة حين تلمسها الأنامل"  لم يكن يعلم حينها ان أنامل حبيبتي هي أول من لمس القصائد كلها "



رأيت أنا..
رأيت فيما يري العاشق..
"خير اللهم إجعله خير"..أو "حب اللهم إجعله حب"

حلم عابر في صحوة ليل..قل هو كالنسيم بل اشد قسوة..
وكأنه غناء لأوركسترا الزيزفون..
أو زهرة أوركيد تخترق مسام وحدتي بفيح رباني خالد..

يا أدم..
هكذا سمعت صوت البقاء في أقوي لحظات رحيلي..

يا أدم..
يا أدم..

قلت : نعم..من يناديني ؟

قال الصوت الملائكي: لن نقهرك بمكتوبك بل سنزيدك ولعا به..
سنعيد اليك نصف حياتك وكل عمرك..
سنعيد اليك حواء التي فرقت بينكم "تفاحة" وباعدت بينكم وبين جنتكم سنوات من عمر العشق..


تظهر فجأة إمرأة كأنها إحتفال الشهد بأسطورته الشخصية..
كأنها "الألف" في عين باولو كويلو..
ألف المكان وألف الزمان..ألف النساء وألف الفرح والشجن..
تشخص لها الأبصار..وتفرح بها الأقدار..


قالت : هل أنت وحيد منذ أن سقطنا من الجنة ؟؟

قلت : وحدتي ورقة بردي احتفظت بها عينيك ألاف السنين..
ليست وحدة انهيار ولكنها وحدة انتظار
وحدتي توحيد لجمالك وتوحد في عالمك..
وكأني مذ عرفت الوحدة لم أجد لها حدودا الا مع عينيك والقمر..


قالت : أنت حبيبي وقلمي الذي ترتجف منه القصائد



قلت : وانتي القصيدة التي يرتجف منها القلم..
كلانا عليل يا وصيفة الشمس ورفيقة الامس ..
كلانا عليل..
 انا عليل بالحب وانتي عليلة بالحسن..
لم أعرف يوما هل كنا روحان في جسد أم جسدان في روح..
ولكن ما أعرف اني أعيش في "مجاعة جبران الروحية" في انتظار عودتك علي الأرض..
سقطنا من الجنة..ولكن لم تسقط الجنة من قلوبنا..
سقطنا من السماء ولكننا سنرتقي اليها بحبنا..
سقطنا من الخلود..ولكننا سنعيد مجده بأمالنا..
 يا ملكتي سقوطنا ارتقاء..وعطشنا الي الفردوس ارتواء..



قالت "في غيرة و شك"  : ولكن ألم تروي ظمأك الروحي من عبير نساء الأرض في غيبتي ؟
ألم تخلق من ضلعك ولو تجليات إمرأة تراقص وحدتك وتكمل قصتك ؟



قلت : يالغيرة النساء..حاسة النساء الاولي حتي الخامسة !!
غيرتكن ليست ضعف ثقة ولكنها محاولة إتمامها..
في انتظار كلمة تكملي بها رتوش لوحة جمالك الكاملة بالفعل..
تنتظرن كلمة لاكمال اللوحة كما تتحسسن الشفاه في نهاية وضع المكياج بثقة ورونق..
يالغيرة النساء..ليست محاولة للهجوم والعصف ولكنها تنقيب في عقل الرجل عن ما يتمم درة الكلمات والوصف..
أيتها النساء لقد سقطنا بسبب قطف تفاحة..واليوم نكفر عن الخطأ بقطف ألف زهرة وزهرة لكن..



قالت : سأشق صدرك بحثا عن نور الحب كي أنهل منه أبدا وخمر صبا..


قلت : لا تشقي صدري بحثا عن النور بل شقي النور بحثا عن صوفيتي في حبك..
شقي حجاب الزمان بحثا عن ابتهالاتي في غيابك..
وشقي حجاب المكان بحثا عن وشيجتي لزهور عشنا علي بتلاتها..



قالت : لو كان لنبضي موسم هجرة كالطيور لاخذت سهامي وارجعتها لك مقتولة عاشقة
تعيش في كل نبضة ألف حياة وحياة..



قلت "مازحا" : ولكني مصاب بفوبيا النبضات الضيقة..


قالت "معاتبة"  :   لماذا اذا تسكن اضيق خلية في دمائي ؟
وتحتل كل تفاصيل جسدي ؟



قلت : عاشق حبيبك لا بطل..
جمالك هو السبب..
لقد صلبني جمالك بين جملتين..
بين عامية "جمال ينطق الحجر"
وفصحي نزار "الصمت في حرم الجمال جمال"


قالت : احبك في الحب..


قلت : احبك في الله وفي الحب
 احبك في الله الذي احببتني فيه
هذا حوار بين قلبي ونبضي حين أراك كل مساء ..



قالت : الحب علي عينيك انتهاز فرصة ونعيم مستتر..



قلت : الحب فرصة..
ولو كنت عرافا لصحت في الناس قائلا :
لا تجعلوا الفرصة مثل كأس شراب ملكي
فتذيقوه لاربعة غيركم خوفا من ان يكون مسمما
فلا يجنون غير المتعة ولا تجني غير الندم..
فإن اتاك عشقك ..فانتهز الفرصة وكن أنت الملك..



قالت : حين أراك لا أعرف هل أنتشي بكلامك أم بأبجدية الحنين التي تغدق بها رموشك علي كياني



قلت : رموشنا علي هيئة أسوار..
هكذا خلقها الله ..رموشنا كما السجان..
تسجننا داخل أنفسنا..كي لا يهرب الحلم من أعيننا ولا يخرج طيف الحب..
رموشنا بوابة سجننا الانفرادي..وعزلتنا في حضرة أشباح الحب..



قالت : وكيف تراني يا سجين الحب ؟



قلت : العاشق يري بروحه قبل عينيه..
وحين أراك يصبح قلبي وروحي كما علامة النصر علي الأصابع..
حين أراك تتشابك أوراقي في حيرة ما بين الغزل العفيف والموت الصريح ..
وتنسحب الكلمات باكية من القصائد الي جدائل شعرك تلتف حولهم كما ثعابين خطوط الرقعة فتدب فيهم قبلة حياة الشعر..



قالت : أنا قديسة تنام علي صفحة أنهار حبك العذبة لي..


قلت : كل الانهار عذبة ما مسها صروف وعوادي الدهر والفراق
وكل البحار مالحة الا اذا لمسها قلب يحب وعاشق يأن..
فيصير اضطراب الموج في قلبه أقوي من هياج البحر واضطراب كيانه
فحينها يستأنس العاشق البحار ليصبح سندباد مسافر في قلب من يعشق..



قالت: أنت كأس هيام أموت فيه ولكني لا أرتوي منه..



قلت : أنتي مأدبة حسن أعدتها الملائكة لي شهدا وزهوا وغرورا..
كي أتذوق الشهد ترياقا ينجيني من قوتك
وأتذوق الزهو عزفا علي اوتار قمرك..
وأتذوق الغرور كي أعيش في داخلك بديمومة "الرجل الأعلي" و "العاشق الأسمي" من ذاتي..




عاد الصوت يناديني : يا أدم
يا أدم
أتممنا لك نورك بفضيلة الحب وفضله..
وأتممنا لك حسنك بقبس من نور حواء..
قل لنفسك كلما أحببت..
"لم أسقط من الجنة..بل ارتقيت اليها"
"لم أسقط من الجنة..بل ارتقيت اليها"

وكل ما تغير منذ فجر الخليقة الي اليوم
ان أدم وحواء جمعتهما تفاحة وشيطان
أما الأن أدم وحواء تجمعهما بنفسجة وملاك وحب خالد..

Saturday, February 23, 2013

شيــشة ديــجافو و رقصة تنــورة...قصة قصيرة








"إكبري عشرين عاماً.. ثم عودي..
إن هذا الحب لا يرضي ضميري
حاجز العمر خطيرٌ.. وأنا
أتحاشى حاجز العمر الخطير..
نحن عصران.. فلا تستعجلي
القفز، يا زنبقتي، فوق العصور..
أنت في أول سطر في الهوى
وأنا أصبحت في السطر الأخير."


نزار قباني




لقد حق أن تسحر الكائنات     وتستل آهاتها الجاثمة
فأوتارها شعرك العسجدي     و أنت الموقعة الباسمة
رأى النهر مصرع ملاحه     بعينيك أيتها الظالمة


بدر شاكر السياب





هو وهي..كلمتان تبدا بهما كل قصة حب وكل قصيدة شعر وكل نهاية !
أمن "هو" بكل المستحيلات ولذلك أمنت به المستحيلات..أمن بالظواهر والأساطير والعجائب فأمنت به ومنحته جزء من قوتها وعنفوانها..أمن بأودسيوس وأهوال رحلته لكي يعود الي "بنلوب" في الأوديسة..فمنحه هوميروس نفحة من أهوال الرحلة..فعاش عذاب قهر الحب..

في مساء عاشق كما يكون مساء "هو" كل ليلة ..مر علي احدي المقاهي في طريقه ثم جلس وطلب ما لم يعتاد علي طلبه .."حجر شيشة" !!
لم يسمع في تلك اللحظة الا اغنية "محمد العزبي"  "بهية"..وبعض صياح الحاضرين وطرقعة "الدومينو" علي المناضد المجاورة..
لم تكن رائحة الدخان هي ما يعشق أو أحد الأنفاس المحترقة هي ما يصبو اليه فهو اعتاد علي الدخان في حرائق غابات قلبه منذ أمد بعيد.

هو : واحد شيشة يا صلاح

صلاح : شيشة ؟ من امتي الكلام ده..

هو : لكل شئ بداية..

عندما مر بتجربته الاولي والأخيرة ايضا كان في ريعان شبابه لم يكن يشغله في الدنيا الا الحب و"هي"..كاد يوصل به الوجد الي بيت قيس حين قال :

ولو خلط السم الزعاف بريقها ..........تمصصت منه نهلة ورويت


لم يبدأ تلك التجربة الا لخاطر أتاه في المساء.."ديجا فو"..يشعر بأن اللحظة التي سيعيشها الأن عاشها أكثر من مرة في حياته..ولهذا طلب الشيشة ..
ولكن أي جنون هذا ؟ كيف تكون للشيشة وللدخان علاقة بالدي جا فو..لم يعرف في البداية ولم يروي شغفه إلا حين مرت امامه "هي"

بدا المشهد كأنما لوحة "المعاناة الصامتة" لجبران ..دخان يتراقص أمام عينيه وحورية تتقمص دور الدخان لتنهل من عبير أنفاس قلبه المتيم..
كان يراها حين تدخل الي المشهد كأنما يسمع فجاة بداية اغنية
Edith Piaf - La Foule

كانما هي الأميرة وهو مصارع تفتح أمامه بوابة الأسود في الكوليزيوم..ولا يهمه إلا نظرة عطف من غيداء خياله "هي"
لم يعرف أهي تتراقص في خطوتها أم الدخان هو الذي يتراقص أم أن قلبه هو من يتراقص نشوة علي أطراف ثغرها المعسول..
كانت مزدحمة بالأنوثة ومنتشية في خدر الحسن بذاتها ..
تستتر بالإثارة وتتعفف بفيض نور الجمال..
كان الكون علي طرف ردنها انفجار عظيم وقعقعة قصائد..
كانت بداية العبير ونهاية الوصف والتعبير..
كانت الحلم والعلم..
كان الحلم في ملامحها كانه شهد ساقط من سماء درية..
وكان العلم في تفاصيل جسدها كأنما "يحرك الاشياء عن بعد"..أو "يحرك قلوب العشاق عن بعد" !
كانما كانت في عصر الثورة "ناشطة جمال" لا "ناشطة سياسية"
وكأنما كانت أول ثورة قبل ان يعيش هو أي ثورة .


صوفية..
لحظة صوفية استمالها القلب فمالت..واستعطفتها الدمعة فسالت..
وكأنما انقلب المشهد لحظة صوفية واحترق المسرح بأول حجر للشيشة..
ليري نفسه في مشهد حب جديد بشكل جديد..قلت لكم عاش اللحظة من قبل وها هو يعيشها بشكل أخر في نفس اللحظة..


اللحظة الصوفية :

"حي..حي..الله حي"

رأي نفسه بجلباب أبيض في مشهد حضرة صوفية وسمع نشيد حب الهي لرابعة العدوية ينشده الجالسون :

وليت الذي بيني وبينك عامر *..وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين .. وكل الذي فوق التراب تراب  


وكأن نفس المشهد يعاد من جديد..
كان كل العشاق يقولون جملتهم الخالدة "حاسس اني شفتك قبل كده"
وهذا ما تحقق ل "هو"..لقد عاش فعلا تلك اللحظة منذ زمن..لحظة صوفية..لم يعرف اذا كان هو او احدي تقمصاته وخيالاته ولكنه يعيشها الأن في خياله في نفس وقت جلوسه علي المقهي..

لم يكن أمامه الا ان يردد مثلهم ويقول "حي.."
ورأي الجميع يهزون في رؤوسهم في حالة عشق الهي وولع واشتياق لنوره وفيضه..

تمتزج الوان طيفها مع الوان التنورة لرجل يدور بالأرض ولا تدور الأرض به..توقف زمنه ومكانه مثلي تماما
انا امام عينيها راقص تنورة لا يتعب من الحركة ولكن من نشوة الجمال..
تخلية قبل التحلية..صوفية عاشها في لحظة..
وهو ايضا عاش التخلية قبل التحلية..ولكنه حلي قلبه بالله ثم "هي"


كانوا يرددون اناشيدهم بينما يردد قلبه نشيد من كلمات الصوفي  "السهروردي المقتول"  يقول :

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا     ستر المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ
بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم     وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ


كان يردد الابيات وهو يراها من خلف الحجب..
سحابة دخان بخور في حضرة حب الهي ويري من خلفها عيناها تطل كانها اطلالة لحظ روح تخرج من انات جسد ..
كان الحسن في عينيها صوفي جدا بل راهب في محراب..
وكأن كل البخور الذي هام في المكان أخرج من طيات نفسه كهرمان الحب وعقيقه..
وكأنه أصبح مبخرة لحسنها ونسر أسطوري يغطي بجناحيه عينيها غيرة وخوفا..


ألم يري هذا المشهد من قبل ؟
هل يعيشه الأن أم ان المقهي هي لحظته الحالية..يكاد الجنون يقتله..هل هو الدي جا فو ؟
أي لحظة هي الحقيقة وأي لحظة هي التي يتخيلها ؟؟ لا يعرف الأن..فقد ماجت وهاجت ثائرة اللحظات في خافقه كأنما امتزجت بروعه وكيانه..

هل هو صوفي عاشق ؟ أم شاب يجلس علي مقهي ويراها تمر أمامه الأن ؟
هل هي السبب ؟
هل هناك تشابه غير التشابه اللفظي بين "لحظها" و "لحظته" ؟
علاقة بين "جسدها" و "التجسيد" ؟
"حضورها" و "حضرته" ؟


لم يسأل نفسه كثيرا ولكنه عاد فجأة بذهنه الي لحظته علي المقهي وعرف ان لحظته الصوفية ما هي الا لحظة عشها في زمن أخر ؟
زمن أخر ؟؟ أي زمن أخر ؟ هل يمر ب ديجا فو ام استنساخ روحه علي مر أزمنة وأكوان ؟؟

مرت بجوار المقهي ولم تري "السلام" في نفسه الان ولكنه رأي فيها سلامه وتسليمه وسلمه..
لم تري فيه الموت ولكنه دائما يراها الحياة..
لم تري فيه "الضعف" لأن دائما ما يرتقي بقوتها..


ولكن هل عاد لخياله مرة أخري ؟
الان يعيش لحظة أخري غير لحظته الصوفية..انه يعيش لحظة حرب..
أي حرب ؟ لا يعرف لا يري الا الدبابات وخفق الموت ..
لا يري الا بنايات تحترق وهي في الداخل تستنجد "انجدوني"
هرول سريعا الي صوتها كانما يحن اللحن الي الكمان..
كان المشهد ضبابيا جدا ..لم يري الا عينيها من خلف سحابة دخان ..نعم هي مرة أخري وبالكاد يراها..


هي مرة أخري في تلك المرة في ساحة حرب في مدينة تحترق..
يراها من خلف سحب الدخان كما دخان الشيشة ودخان البخور الصوفي ..
ياللقدر !! هل يعيش حياته ولحظته الثالثة وكل ما يجمع الثلاث لحظات دخان وعينيها ؟؟


كان القصف في الحرب عنيف جدا ولكن عينيها كانت بالنسبة له "حرب الدمار الشامل"..او "الحرب الجمالية الثالثة"..
حملها سريعا علي يديه وهرول خارج بناية تحترق ولكن الحريق مازال مستعرا في كل عرائس خياله..
وضعها في مكان أمن وبعيد عن القصف والعنف وسألها " إسمك ايه ؟ "
كانت مرتعدة الفرائص ولم تستطع الرد عليه ولكنها اشارت الي "الدخان"..

إنه الدخان..لا أعرف هل كانت تشيري اليه في تلك الحرب اني يعود الي مشهد المقهي ام مشهد الصوفية ؟
وفجأة عاد هو في نفس اللحظة الي المقهي ها هو مرة أخري اعود لمشهدي الأصلي في "ديجافو الشيشة" !!



جلس في المقهي عشر ساعات يجمع الأوراق يعض في أصابعه..يحاول الربط بين المشاهد الثالثة والدخان..
وفجأة قال "يالخداع الحب وجبروته"
لقد عرف الحقيقة..انه ليس ديجافو الشيشة انه ديجافو الحب..
لقد جمع الحب بين مشهد "المقهي" او "الحياة...ومشهد الصوفية ومشهد "الحرب" او "الموت
نعم لقد جمع له في لحظة واحدة ثلاثة مشتهد وكانه يعرفه بنفسه مرة اخري..
انه يقول له "انا الثلاثة مشاهد
انا الحياة والموت والتصوف..
إنه الحب وعجائب قدرته وغرائب صنعته..
انه نور القلب الذي شق "الدخان" ليصل الي عينيها ..
الأن عرف سر مشهد الدخان..ان الدخان هو الوهم بينما عينيها هي الحقيقة..
حقيقة الحياة والموت وصوفية قلبه..

ثم صاح بصوته "اه يالقوتك يالقوتك.."


بينما نظر له البعض من مرتادي المقهي وقال أحدهم لصديقه "هو الراجل صاحب القهوة ده بقاله عشر ساعات مشغل العزبي ليه هو مش العزبي ده مات قريب ؟"
قال هو له "ربما مات..ولكن البحث عن عيون بهية مازال جاريا" !!



Wednesday, February 20, 2013

الضفــــادع لا تشــــرب الماريجوانا





أسميه ايه ؟ أسميه إيه ؟..بقت حاجة عجيبة قوي اختيار اسم الموضوع اللي بتكتبه..الواحد بيشوف اليومين دول شوية أسامي كتب تخلي اختيار الاسم مشكلة عويصة..

يعني مثلا عندك كتاب بهاء طاهر "لم أعرف أن الطواويس تطير"  ..أو كتاب عمر طاهر "الكلاب لا تأكل الشوكولاتة"..ده حتي في كتاب اسمه "الفئران لا تشرب المارلبورو" !!

قولت اسميه شوية اسامي كده والقارئ هو اللي يختار منها لأني محتار ..إيه رأيكم في الأسامي دي الي هاعرضها عليكم تختاروا منها واحد :

1- الضفادع لا تشرب الماريجوانا
2- أحزان أنثي الأخطبوط
3- سيد قشطة لا يأكل القشطة
4- الهدهد لا يضع المانكير
5-نحلة علي طبق باباظ
6-أحزان ناموسة حامل


يعني هو صحيح العنوان مالوش دعوة بالموضوع اساسا بس هي دي بقت الموضة كتير من الاسامي اليومين دول لمواضيع او كتب مالهاش اي علاقة باللي جوة الكتاب انما بقي المهم الاسم يشد واهو موسم بقي وكل سنة وانتوا طيبين..

انما انا عاجبني بتاع الضفادع فعشان كده هاسميه الضفادع لا تشرب الماريجوانا..عندنا بيسموه "بانجو" بس اسم لوكال قوي ومش ظريف والاجمل منه الماريجوانا..

لكن في مصر الضفادع ممكن فعلا تشرب الماريجوانا لأن عندنا في مصر في حاجات مش موجودة في العالم كله ..عجائب وغرائب مش هتلاقيها الا لما تشرب من نيلها لحد ما تتكرع..
لكن ايه هي العجائب اللي تتميز بيها مصر عن غيرها من دول العالم :


1- تعدي شريط قطر وتبص يمين وشمال وانت بتعدي !!

2- تلاقي المسافة بتاعة الطرق بتزيد مع الوقت مش بتقل لأن اليفط كلها مكتوب عليها اي كلام..يافطة ان فاضل 35 كيلو وبعديها يافطة ان فاضل 36 ..ياللمعجزة..


3- تلاقي مكتوب علي شريط قطر  "احذر مزلقان ذكي"..


4- احنا الدولة الوحيدة اللي عندها اسامي البلاد او المناطق باسامي ستات زي "ام الزين" او علي الطريق الدائري تلاقي يافطة مكتوب عليها "ام بيومي" مع ان برة مافيش بلد اسمها "ام جوليا" مثلا


5- تلاقي محلات مالهاش اسم ولا يافطة ومترخصة..كل اللي مكتوب علي المحل "ما شاء الله"  ..لدرجة ان وانا صغير كنت بقول محل "ما شاء الله" ده في كل حتة في مصر ده فروعه كتير قوي .


6- تقول بتاع النقل انت ماشي في وسط الطريق يا اسطي ..يقولك امال امشي ع الرصيف يعني !!


7- احنا اللي عندنا برنامج اطفال اسمه "ظاظا وجرجير"  مع ان ده اسم مينفعش للأطفال ده ينفع برنامج في دار مسنين


8- احنا اللي عملنا الكباري عشان نلف من تحتها لأن طبعا الكوبري واقف علطول

9- احنا اللي عملنا اشارات المرور عشان نتقابل عندها .."قابلني عند تاني اشارة" مش عشان نقف اما تنور احمر


10- احنا اللي عشان نمنع الاعلانات علي الحيطان نكتب بالبنط العريض "ممنـــــــوع كتــــابة الاعلانـــــــات"  طيب هو بقي في مكان اساسا يا عم الحاج لكتابة الاعلانات ؟ ما انت شوهت ام الحيطة خلاص.


11- احنا اللي بنسمي شوية طفيليات في النيل  "ورد النيل"  حتي اسمه مبهج كده وجميل اهو بنداري بيه ..زي اما واحدة يبقي اسمها انعام وتقولها يا نوني


12-احنا البلد الوحيدة اللي هتلاقي في كل بلد واحد واقف بصندوق ويقولك اتبرع للجامع..والجامع طبعا مبيخلصش ده الراجل بيقعد في الشارع هو واحفاد احفاده طول ما يلاقي سذج يدفعوا لمشروعه الهلامي


13-احنا اللي بنقول "عصعوصي" واجعني..ما تلاقيهاش في اي ترجمة دي كلمة عصعوص..يعني بنخترع مناطق في جسمنا بنفسنا..زي كابتن محمود بكر كده اما يقول "خبط الكورة بقرص دماغه"


14- احنا اللي بنستخدم "الموز" في أي زيارة حتي لو واحد عيان بنجيبله موز..علي كده القرود دايما بصحة ممتازة !!

15- احنا اللي عندنا تكلفة الحاجة مش بنقول عليها "توتال" لا بنقول "شاكب راكب"

16- احنا اللي بنعمل مطبات في الطرق اما تطق في دماغنا وفي اي مكان نحبه

17- احنا اللي بنعمل اغاني وطنية عمال علي بطال اكتر من عدد المواطنين لحد ما اتخنقنا منها..

18-  احنا اللي الدقيقة عندنا بقروش ولسه البعض بيدي رنات..

19- احنا اللي فشخنا الجوجل في افكاره من بحثنا عن حاجات غريبة زي "حباية تحت الإبط" !!!

20- احنا اللي بنشرب شيشة ونقول لازم "المبسم"...المرة الجاية هيطلعوا مخدرات بفلتر صحي وأمن !!!

21- احنا اللي بننتج افلام عشان نعمل عليها "كوميكس" لأن الأفلام معظمها مقاولات..

22- احنا اللي بنروح الأفراح عشان نبص في الساعة كل عشر دقايق..

23- احنا اللي بنقول "اعملي كوباية شاي عشان اخش انام"..الشعب المصري لا يعترف بالكافيين..

24- احنا اللي بنشيل نظام مبلط عشان نجيب نظام يبلط

25- احنا اللي عندنا بلاعات متواربة عشان تشق العربيات

26- احنا اللي عندنا الطريق عبارة عن شجر وشوية دخان كاننا في فيلم رعب ..




يبقي ليها حق ولا لأ الضفادع تشد الماريجوانا ..؟ دي ليها حق تضرب كاسين كمان لو عايزة..
واسمحولي اضيف كمان اسم بالمرة بقي في الاخر زي مثلا  "السحالي لا تعشق الكراميل"..!




Saturday, February 16, 2013

وتر عم أيوب..قصة قصيرة





" إن أنات البشر من قديم تتدفق في نهر الحسرات بين الكواكب"

نجيب محفوظ "ليالي ألف ليلة"




في إحدي العمارات القديمة في "الدقي" يقطن "سالم " وحيدا في الدور الرابع..كان شابا مهندما واسع الأفق ليس بالنحيل ولا بالسمين طيب المعشر لا تسمع له جلبة ولا يشتكي منه أحد من سكان العمارة كما اعتادوا ان يشتكوا من احد السكان في الدور الثالث وهو "عم أيوب".

نفس الكابوس..نفس الكابوس ولا أستطيع النوم بسبب هذه الضوضاء وهذا المجنون..
قالها سالم لنفسه بعد أن استيقظ بعصبية ورفع الغطاء من علي جسده بحدة كمن يرفع الكفن بسرعة عن وجه من يحب وجري الي باب الشقة ونادي بواب العمارة في غضب :

"انت يا بدوي زفت..انت فين..ايه اللي بيحصل في العمارة ده"

لم يجبه بدوي بالطبع لأنه كان يغط في نوم اشبه بنوم الفيلة مما اضطر سالم الي النزول بنفسه الي شقة الدور الثالث وكان أول لقاء بعم أيوب..وهو رجل في اواخر السبعينات غائر العينين مجعد التفاصيل كأن الحزن في خطوط وجهه قد وصل لسلطانه وجاهه..فتح الباب متراخيا ببطئ شديد كانه طالب ايقظوه للذهاب الي المدرسة في ملل وقال : في ايه ؟

سالم "محتدا" : في ايه ؟ الساعة 3 الفجر يا استاذ وانت قاعد بتعزف بالعود بتاعك وانا فوقك ومش عارف انام

أيوب: انت الساكن الجديد ؟

سالم : من حظي يا سيدي

أيوب : طيب بلاش تغضب أرجوك

سالم: يا سيدي انا مش غضبان لكن ياريت تخلي العزف للصبح واحنا في الشغل والجو يبقي فاضي ليك واعمل اللي انت عايزه

أثناء حديث سالم مع أيوب استرعي انتباهه الأغنية الغريبة التي يسمعها أيوب فهي لم تكن من اغنيات جيله الذين يفضلون سماع عبد الوهاب او نجاة وغيرهم في هذا السن ولكنه كان يسمع بعض الكلمات في الأغنية بلهجة لبنانية تقول :

" يا هالكدبة اللي عم تسكني اطلعي مني..
يا هاللعبة اللي عم تكسرني ابعدي عني..
وقف في ما في شئ اسمعلك
بحب وما بدي ارجعلك..
ما فيا..انت قلبي..انا قلبي..قتله الزمان
قتله الزمان..
قتله الزمان"


تعجب سالم من محاولة تقلد عم ايوب لدور احد افراد الأوركسترا في عزف هذا اللحن علي هذه الكلمات الحزينة ولكن كل ما كان يهمه في تلك الليلة ان ينام هانئا برغم انه لم يستطيع النوم وتجافي عن مضجعه محاولا فهم ما يدور في عقل عم أيوب هذا السر الغامض في العمارة القديمة كما ملامحه..

في صباح اليوم الثاني لسالم في العمارة :

سالم : ايه يا بدوي ؟ كنت فين ناديتك امبارح ميت مرة

بدوي : خير يا سالم بيه في حاجة حصلت ؟ مال وشك مصفر كده ؟

سالم : ايه ؟ لا ابدا ما نمتش كويس

بدوي: يبقي اكيد عم ايوب

سالم : عليك نور ..عم ايوب..ايه بقي حكاية الراجل ده بالظبط..عايزك تحكيلي كل حاجة..


لم يذهب سالم الي عمله في هذا اليوم مهتما بتفاصيل حكاية عم أيوب التي حكاها له بدوي في اكثر من ساعتين منذ ان سكن في هذه العمارة وحكي له حكايته مع الوتر والعود وكيف اصبحوا ملجأ لدموعه يحاول ان يلطف بهم صروف الدهر وعواديه..

سالم : لا حول الله..يعني بنته هجرته عشان تكمل تعليمها برة وتتعلم الموسيقي ؟

بدوي: ايوه يا بيه..اداها المال واداها كل حاجة وفي الاخر سابته وحيد وراحت تتعلم في بلاد برة الموسيقي ومن يومها وهو بيعزف واشتري عود وبيجرب حظه

سالم : يعني هو بينتقم من الوتر وبيعزف عليه بجنون كل ليلة..او بيشم فيه ريحة بنته اللي خطفتها الموسيقي منه

بدوي : يعني ايه يا بيه ؟

سالم : ولا حاجة يا عم بدوي حساب الحاجة اللي اشترتهالي كام ؟


خرج سالم دامع العينين يردد مع نفسه مقولة جبران في "أرباب الأرض" :

"لو كنت أملك الموت ما رضيت الحياة
فعبء الدهور يثقل كاهلي
وولولة البحار التي لا تنقطع تزعج غفوتي
لو انني تحللت من غاية البدائية
وتلاشيت كشعاع الشمس المبدد"


وفي هذه الليلة ظل سالم مستيقظا ينتظر صوت الوتر او الاغنية الحزينة التي لا يعرف من يغنيها تحديدا الا انه صوت نسائي رقيق وعذب كأنه ينتظر صيده الثمين..صيد يروي أشجانه وتظمأ له امانيه من جديد..

وفجأة يسمع الأغنية..يرتدي ملابسه سريعا ويذهب الي شقة عم أيوب في نفس الوقت :

عم أيوب : معلش يا ابني انا نسيت اللي وعدتك بيه وعزفت في عز الليل انا اسف

سالم : ولا يهمك يا عم ايوب انا جاي اقعد معاك شوية

أيوب : تقعد معايا انا ؟

سالم : ايوه يا عم ايوب انا جارك والجيران لبعضيها واهو بالمرة اسمع عزفك واعرف مين اللي بتغني دي

أيوب: اتفضل يا ابني

قالها عم ايوب بفرحة عاشق يوم عودة حبيبته من رحلة هجر وكأن الوحدة قد بلغت منه مبلغا عظيما حتي لم يتخيل ان يجلس معه احد السكان ذات يوم..
"ياللوحدة..ألم العاشق..ومأوي الحالم..وقاتلة الضعفاء"

سالم : قوللي بقي مين بتغني ؟

أيوب : دي اسمها ماجدة الرومي ودي اغنية انا بحبها جدا ليها اسمها "انت الماضي"

سالم : وليه الماضي يا عم أيوب..ما تسمتع بالحاضر

أيوب :  لكن انا عندي الماضي والحاضر والمستقبل في حلم واحد..

سالم : بنتك مش كده ؟

أيوب "في فزع" : عرفت منين ؟

سالم : بدوي قاللي الحكاية ..انا أسف اني تطفلت علي حياتك بس كنت متشوق اعرف

أيوب : ولا يهمك يا ابني بدوي اصلا ما بتتبلش في بقه فولة

سالم : لكن انت ما بتحلمش انها هترجع مش حاسس انها هترجعلك في يوم ندمانة علي انها هجرتك

أيوب: شوف يا ابني انا من كتر الحلم اتخدرت بالموسيقي وبالألحان..هأقولك حاجة غريبة..عارف المورفين ؟

سالم : اه عارفه

أيوب: المورفين ده سموه علي اسم "مورفيوس" اله الأحلام عند اليونان..وكأنهم ربطوا بين الحلم وتخدير الحياة..انا معدتش بصدق حاجة انا بخدر حياتي بالموسيقي ومش عايز أحلم..
لكن حتي في محاولة تخديري لنفسي بشئ من ريحتها برضه بحلم بيها يا ابني..برضه بحلم بيها..

سالم "يدمع" : اعزف يا عم ايوب..اعزف وخرج همومك..انت بعيد نفس الحتة في الأغنية..ليه مش بتكملها يا عم أيوب ..

أيوب : شوف يا ابني في يوم من الأيام هتكمل لوحدها اوعدني انك ما تكملش الاغنية دي الا في لحظة تكون مضطر تكملها

لم يفهم سالم تحديدا ما يقصده عم أيوب ولكنه وعده بفعل ما طلبه..

سالم : الحمل شديد عليك يا عم أيوب والحزن علاجه بالحلم والأمل

أيوب : ديل كارنيجي عمل كتاب دع القلق وابدا الحياة..لكن الحزن قهره وانتحر
همنجواي قال "الانسان يمكن هزيمته ولكن لا يمكن قهره" لكن الحزن قهره وانتحر
والامثلة كتير يا ابني من اللي قهرهم الحزن..لكن انا بإيماني بحاول ما اني ما اكونش راجل مقهور او ده اللي علمهولي الوتر

سالم : علمك ايه الوتر يا عم ايوب

أيوب : اني طول ما انا مشدود وصالب عودي زي الوتر هأعزف احلي لحن في حياتي
مشدود بالأمل والعزيمة وبالحلم

سالم : ربنا معاك يا عم أيوب وينولك اللي في بالك..


سافر سالم في بعثة الي الخارج ولم يعد الا بعد خمس سنوات تقريبا تغير فيهم كل شئ :

سالم : يا بدوي يا بدوي

حمدان : بدوي مين يا استاذ ..ااه تكونش تقصد البواب القديم ؟ ده مشي من سنة كده وانا جيت بداله هو حضرتك ساكن هنا ؟

سالم : اه انا ساكن في شقة الدور الرابع المقفولة

حمدان : اه يا مرحب يا مرحب ده بدوي اما مشي سابلك جواب وقالي امانة اما تيجي اديهولك ده انا عاينه عندي امانة من ساعتها


تعجب سالم من رسالة تركها له بدوي وفتحها فجاة ليجد نصها ما يلي :

"أستاذ سالم..
والله العمارة ماليها طلة من غيرك ..لكن عايز اقولك خبر ان عم أيوب انتحر..
انا اسف اني ابلغك الخبر الوحش ده لكن انا عارف انك صاحبته بقالك فترة ومهتم بأخباره..
انا زعلت قوي عليه وكل السكان وكانت ليلة حزينة جدا ربنا ما يكتبها علي حد"
وكمان سايبلك جواب لأن انت الوحيد اللي كنت تعرفه وليك علاقة بيه في اواخر ايامه
سيبتهولك تحت عتبة بابك من جوة ياريت تشوفه"

بدوي



هرول سالم متحديا ثقل قدميه من تخدير الحزن او مورفين الحزن في لغة عم ايوب ونظر سريعا الي عتبة الباب والتقط الخطاب وقرأ فيه :

"عزيزي الأستاذ سالم..

انت كنت صاحبي الوحيد في محنتي الايام اللي فاتت ..
جميلة الصداقة ..لكن الأصعب منها الهجر والحرمان والشفقة علي النفس..
جميلة الموسيقي..لكن الأصعب منها الجلد بالوتر..
جميلة الحياة..لكن الصعب هو انك تعيشها مقهور..

خليك عند وعدك..ما تكملش الاغنية الا لما بنتي ترجع..وهتفهم ليه..
خليك عند أول حتة اللي كنت طور عمري بعيدها لكن ما تكملش اغنية ماجدة الرومي الا لما بنتي ترجع في يوم ما..اكيد هاترجع..
الندم رفيق حياة..مش مجرد لحظة..

صديقك / أيوب




لم يتمالك نفسه سالم من الحزن وصرخ بصرخة مدوية : عم أيوووووووووووووب


كان هذا اليوم هو من أكثر الأيام حزنا في تاريخ سالم ولم ينساه الي يومنا هذا..
في هذ اليوم تحديدا في عام 2013..
اصبح شعر سالم مائل الي اللون الأبيض قليلا..
كان يتطلع الي احدي صفحات كتاب الي ان قاطعه صوت..

"الشنط دي في الدور الثالث يا عم حمدان"

كانت المفاجأة ..عادت ابنة عم أيوب بعد سنوات ..صرخت نادمة..
هرولت الي الشقة تصرخ .."افتح يا بابا..انا مش عارفة عملت كده ازاي..انا كنت فين..كان فين قلبي يومها..
انا عرفت الحقيقة يا بابا..
انت اهم حاجة في حياتي..افتحلي انا اسفة.."


سند سالم يداه الي الجدار في شفقة علي ايوب وابنته وعلي اللحن والوتر..
في هذه اللحظة الحزينة كان لزاما عليه ان يكمل اللحن..
جري سريعا ليتذكر اسم الأغنية..وجدها ..انها اغنية ماجدة الرومي "انت الماضي"

فتحها سريعا وسمع اول مقطع الذي كان يسمعه مع عم ايوب ..ولكن اشتاق لسماع المقطع الجديد الذي لم يسمعه من قبل ووعد ايوب ان يسمعه في وقته


لم يشعر سالم الا انه في وسط رمال متحركة عندما سمع المقطع يقول بصوت حزين :

"يمكن ناطر قلك اهلا بعد غياب
وبكلمة حلوة شرعلك ها الابواب..
والغيلك عمري المجروح
من حبسه صرخلك روح
بس لو تعرف شي غيرني هالعذااااب
كنت وين..كنت وين
لما دموعي غرقت فيها
وجعني جنون لياليها"


نزل سريعا الي الدور الثالث امام الشقة سقطت الابنة باكية ضمها سالم وقال لها في هدوء "انتي اكتمال اللحن..ابكي لعل الدموع تطهر الوتر"


ولا نستطيع ان نقدر حقا كم هو مشتاق الأن سالم الي ايوب صديقه القديم..لان سالم في نفسه..وفي سنوات بعثته..عشق..وانتهت قصته..
فهو الأن جدير جدا ان يعرف ما معني لحن غير مكتمل..
ما معني ان تكون صلبا كالوتر ولكن ينتهي بك اللحن الي غيبوبة أغنية حزينة..
ياللحزن..انه ليس الرغبة في الموت..ولكنه موت كل رغبة..

وحشتني يا عم أيوب..وحشني الوتر..

Thursday, February 14, 2013

انا في العشق "اه يا عين" بعد نشوة "يا سلام"







واقفين في حضرة الأميرة..
نستني في إذن الكلام..
جوة بهو القصر واسع..
والوقت مر كألف عام..
خوف قلوبنا من جمالها..
حواليها طيف حور الجنان..
هي شاورت ليا فجأة..
وبدرها لحظة تمام..
ايه في حبك يا اميري
يهدي قلبي للسلام..؟
قولت فجأة للون عيونها..
وقلبي نشوان بالكلام..
انا في العشق شيخ طريقة..
ليا حضرة او مقام..
أنا في العشق قلب سافر..
شرق غرب نيل وشام..
انا في الحب رمح نافد..
لما تخلص السهام..
انا في العشق نوت موسيقي..
لحن يبرق في الضلام..
انا في العشق "اه يا عين"
بعد نشوة "يا سلام"
انا في العشق نوط ملايكة..
الف جايزة وميت وسام..
انا في العشق شعر عربي..
موسيقي ..بحر من الحنان..
انا في العشق خلود جمالك..
لحظة نادرة من الكمال..
انا في العشق رحيل سفينة..
من غير وداع ودموع ألام..
انا في العشق وجود ودنيا..
كون خلقته من الجمال..
انا في العشق بسمة هادية..
وحزن دافي وطيف سلام..
انا في العشق حالات تقمص..
قيس وروميو ودنجوان..
انا في العشق بنور عيونك..
نور في كهفي لألف عام..
انا في العشق دموع بنفسج..
لما فوق ايدك ينام..
انا في العشق بحر هادر..
يتهجي موجه من الغرام..
انا في العشق سحر شرقي..
وانتي فيه غنوة ومقام..
انا في العشق قصيدة باكية..
فوق سطورها من الهيام..
انا في العشق قلب طاهر..
خالي نبضه من الأثام..
انا في العشق مدينة فاضلة..
يوتوبيا حسنك جاه ومال
انا في العشق منك انتي..
وانتي مني وم الغرام..
فجأة قالت الأميرة..
ايوه فيك حالة سلام..
ثم شاورت للحراسة..
الكل يمشي بأي حال..
إلا ده حبي وأميري..
بنالي قصر من الكلام..
بنالي بيت شعر وهيام..