Saturday, April 20, 2013

سـر الكــوخ المعكــوس...قصة قصيرة




الطفولة هذا العالم الحالم السعيد..هذا العالم الذي يدور في فلك السعادة والمغامرة ولا يدور الا حول نفسه فقط..في فلكه فقط..في تخيلاته فقط ..
هل أصدمكم أنكم أطفال ؟؟ كلكم أطفال ..أو علي الأقل تكملون حلم الطفولة في شبابكم وكهولتكم ..

أطفال نحن كنا نشير الي القطارات علي القضبان الحديدية باشارات وداع ولا نعرف سببا ..والأن أدركنا  أن سائق القطار هو العمر ومازال في انتظارنا في "اخر محطة" ..
أطفال نحن حينما كنا نخاف من الغرباء ..والأن أدركنا ان الغرباء هم قصتنا الأغرب..ودائما ما نكمل تفاصيل الحقيقة من ملامح الغرباء..
أطفال نحن حينما كنا لا نعرف ان نكمل صورة "البازل" دائما نبحث عن القطعة الناقصة..والأن ادركنا أن القطعة الناقصة لإكمال الصورة هي "الروح" بينما اللوحة كلها هي "الحب"..
أطفال جدا حين بكينا امام قطعة الحلوي..وحين كبرنا بكينا امام "الجمال"..
أطفال حين تفوهنا لأول مرة بكلمة  "ماليش دعوة" ..وكأن تلك الجملة أول مدخل من مداخل الوحدة التي نعيش بحثا عنها ولا ندركها الا من بين انوف الناس التي اندست في شئوننا وخصوصيات حياتنا..
أطفال جدا حين هللنا أمام بداية فيلم "الرسوم المتحركة"..وحين نضجنا عرفنا أن البشر مجموعة رسوم متحركة..تري حركتها حسب قدرتك ومخيلتك في رسمها وتناسق الالوان فيها..تراهم كيفما رسمتهم في ذهنك..
أطفال حين إختبأنا خلف الحائط من اصدقائنا..وحين نضجنا ووقعنا في المحن خرجنا من خلف الحائط بحثا عنهم فوجدناهم عادوا هم للطفولة واختباوا هم خلف الحائط منا ..عادوا للطفولة او هكذا نفسر ونبرر لهم التفسير الأجمل..
أطفال حين إستنشقنا أول عادم "موتوسيكل" وأعجبتنا رائحته المقززة..وكأننا نحن لبعض الصعوبات ونحن لمقدرتنا علي حلها ونحن علي إخراج البطل بداخلنا..
أطفال حينما قرصنا أول "خد" وأعجبنا الملمس والقرصة ..والأن نترك خدنا للدنيا لعلها تقرصنا وتربت علي اكتافنا وتهون عنا الأصعب
..
أطفال حينما زارتنا حمرة الخجل..وكبار حين زارتنا حمرة من لفح الإنتظار ومواعيد الحب ..

أطفال حينما ضربنا الأرض بأقدامنا وصرخنا من رغبتنا..وكبارا حينما زلزلتنا الأرض ردا علينا وأنبتت لنا جنها المسحور أو نباتها الشيطاني ..


كان مازن يختبأ في هذا الكوخ ربما من العالم وربما من الحب وربما يرسمه كمجرد هواية ولكنه ظل يرسم نفس الرسم لسنوات طويلة دون ان يجد لذلك تفسيرا منطقيا..
منذ الطفولة وهو يرسم نفس الشكل في كل الصفحات وفي كل الكتب وهو شارد تماما ..
كانت اللوحة عبارة عن كوخ صغير وحوله الامواج وبعض الطيور في السماء وأمامهم رحابة البحر وعنفوانه ..لا يرسم جيدا ..لم يتعلم ابدا الرسم ولكن تلك اللوحة بالذات كان يرسمها بكل دقة وحرفية وكأنها جزء منه ومن هويته..
أعطاه زميله ذات مرة احدي الكتب في المدرسة فاعاده له مملوءا بتلك الرسمة الغريبة وسط اعتذارات لصديقه جاسر علي ما فعله في الكتاب :

جاسر : يا ابني ايه اللي انت عامله في الكتاب ده..انت لسه بترسم الرسمة دي ؟

مازن: مش عارف يا جاسر انا اسف بس بجد مش بركز وانا برسمها ومش عارف يعني ايه اصلا

جاسر : انت عارف ان في ناس بتعرف شخصيتها من خلال الرسم بتاعها ..خصوصا لما يكون رسم متكرر طول حياتك بالطريقة دي بيسموا الاختبار ده
Drawing Personality Test

مازن : لا يا سيدي بلاش الحاجات دي لحسن تطلع نتيجة تخوف ولا حاجة ولا اطلع مجنون في الأخر

جاسر "ضاحكا" :  لا العفو هو دي طريقة مجانين خالص ؟ ده انت هريت الكتاب كله من اول صفحة للجلدة ..ده انت سيد العاقلين


مرت سنوات وسنوات ومازال مازن في نفس الحالة ..يملأ استمارات في عمله بنفس الرسمة وسط صيحات تعجب من المدير :

مدير العمل : ايه يا مازن ده ؟ انا قولتلك لو تعبان خد اجازة ده مينفعش في الشغل..بقالك تلات ساعات بدل ما تخلص التقرير بترسملي كوخ وبحر ؟؟

مازن : انا اسف حضرتك بجد مش عارف مالي مش مركز اليومين دول..انا هاحاول اظبط نفسي ..انا فعلا محتاج اجازة يومين..واواعدك هابقي تمام جدا



خرج مازن من العمل مسرعا يلملم اوراقه المبعثرة استعدادا لقضاء اجازته او فترة نقاهة ان كان ما فيه في نظر البعض مرض او اضطراب ولكنه كان يجد ما يفعله مجرد تسلية صبيانية بحتة وليس بهذه الدرجة من الخطورة التي يدعيها البعض..
ركب سيارته وبدأ يسمع صوت غريب في أذنه يردد : بيتا  ألفا  ثيتا  دلتا
بيتا  ألفا  ثيتا  دلتا
بيتا  ألفا  ثيتا  دلتا

زادت حدة توتره مع زيادة الصوت في السيارة ..صرخ من الشباك من الصوت الذي يملأه ولا يفهم معناه..هرع سريعا الي بعض الاوراق وكأنه يريد العودة للكوخ الأن للخروج من هذه الحالة ويهدأ وكأن رسمة الكوخ بالنسبة له كما المهدئات او كما الحشيشة المغربية في نظر البعض تأخذه لعالم أجمل وأرحب وتملأه بحالة من السكينة والعزلة..

"ما الذي حدث ؟؟ أين أنا ؟؟" هكذا سأل مازن نفسه في دهشة وريبة..
لا يعرف أين هو الأن أخر ما يذكره هو أنه أمسك قلمه وبدأ في رسم لوحته المعتادة كوخ وبحر وطيور وبعض الرتوش الاخري..ولكن ما هذا المكان ؟؟

يقولون دائما "الجواب بيبان من عنوانه" ولكن في هذه الحياة الكثير من الجوابات بلا عناوين ولا مرسل اليه ..انها طلقة حرة كالسماء..الي من يهمه الأمر وأحيانا لا يهم أحد أي امر !!
لو كانت للدهشة صوت لصرخت الأن وولت من مازن فرارا وملأت منه رعبا !!
مكان لا يعرفه..ولكن طريق طويل وقفت فجأة أمام السيارة سيدة عجوز علي كرسي متحرك تقول : والنبي يا ابني عديني الطريق ..

مازن : احنا فين يا حاجة ؟؟ وايه المكان ده؟؟ واعديكي فين ده طريق مالوش بر ولا نهاية ؟

السيدة : طيب عرفت بدايته لما بتسأل علي نهايته ؟

مازن : انا لقيت نفسي هنا ومعرفش ازاي وازاي اخرج ..ارجوكي دليني شكلك صاحبة مكان وعارفة

السيدة : هو المكان ده ليه صاحب ؟؟ده حتي البشر مالهومش صاحب ..

مازن : طيب ارجع ازاي ..اخرج من هنا ازاي مش عاز اكمل

السيدة : ده مكتوب انك تكمل ..حتي لو شوفت الموت في النهاية..ده طريق القدر

مازن : طريق القدر ؟؟؟

السيدة : يمكن القدر او يمكن حاجة عكس عكاس زي المراية

مازن : يا ستي انتي حيرتيني ..ايه هو اللي عكس عكاس زي المراية ؟؟


انصرفت السيدة علي كرسيها المتحرك ولم تجب مازن علي أي سؤال وكل ما فعلته انها زادته حيرة وقلق وهو يشعر انه في متاهة أبدية لن يستطيع منها فكاكا..
لم يجد أمامه في طريق القدر الا السير ..وقفت السيارة ولم تتحرك فمشي علي قدميه أميال ولا يشعر كم سار تحديدا..
ساعات وساعات حتي بدأ يسمع صدح طيور في السماء وصوت كالبحر من بعيد..هرول مسرعا وخيم الليل بأجنحته علي مازن والمشهد حتي وصل مازن أخيرا وياليته ما وصل أبدا..
خر مازن علي جبهته من قسوة المشهد علي روعه..وكأن الدنيا تنشب مخالبها في صدره وتعصره الي أسئلة بلا أجوبة ..انه حصار كامل لعلامات الاستفهام يردد " سلم عقلك والا هنضرب في المليان" !!

انها هي..
انها اللوحة تماما كما يرسمها مازن كل ليلة ..انه الكوخ والبحر والطيور ..هل دخل لوحته المجنونة ؟؟ام هل اصابه خبل كامل ام هو مجرد حلم ؟؟
نعم انه حلم..هكذا قال لنفسه كي يطمأن نفسه في أول الأمر..ولكن طالت الأيام والليالي وهو في نفس الرسمة..كيف يكون حلم..انه واقع غريب مقلق محير لا ينفع معه المنطق ولا يجدي معه جنون الخيال..

بات ليلته أمام الكوخ وكأن يستمتع برسمته بشكل ثلاثي الأبعاد ..بل قل خيالي الأبعاد فهو داخل الرسمة بالفعل ولا يراها فقط مجسدة ..
قال وهو يصرخ ويرتجف من العطش والجوع : "انا مش هاموت هنا..انا اللي خالق المكان ده..الكوخ ده بتاعي..الارض دي بتاعتي حتي الطيور دي انا اللي عاملها ..اييييييه..انتوا مين..انتوا مين..مين هيموتني في العالم بتاعي..انتوا بتحلموا ..انا فايق وانتوا بتحلموا"

لم يفق الا علي يد إمراة درية او مصفوفة ملائكية رياضية معقدة بلا حل ولا تلميح..
لها صوت السماء وصخب الأرض ولسعة السوط المدهون بالشيكولاتة..
مألوفة كأنها نفسك وغريبة كأنها نداء الأخرة..كأنك تري حول حسنها الناس سكاري وما هم بسكاري..
قالت في رهف : اشرب المية دي هتبقي كويس..صدقني

"صدقني"؟؟ ..وكيف لا يصدقها ؟؟ انها قبس من الصدق يوازن كذب الدنيا والبشر..بل ويقلب عليه الميزان بالكامل..
قال لها : انتي مين ؟

قالت: مش هتعرفني دلوقتي ..لازم تقعد معايا سنتين ..في نفس الأرض دي

مازن : لكن انتي بتاعتي..انتي ملكي زي الكوخ والسما والطيور والبحر ده انا اللي راسمكم

قالت : انت مش خالق..ممكن تكون ريشة لخالق اعظم واقوي

مازن: ونعمة بالله بس العالم ده كله بتاعي انا قصدي اللوحة دي بس انا مش بتكلم عن العالم كله لكن كل اللي احنا فيه ده بتاعي وملكي

قالت : كل الارض دي هتبقي ليك..لو فضلت معايا سنتين

مازن : ليه سنتين؟

قالت : هم قالولي سنتين ..تاخدني وتاخد الارض بعد سنتين ..يمكن هم مش حقيقة يمكن زي المراية عكس عكاس

مازن : برضه عكس عكاس؟؟ انتي تعرفي الست العجوزة اللي قابلتها؟

قالت : هنا محدش يعرف حد..كل واحد سارح في ملكوته ..


مازن: انا مش فاهم حاجة لكن هافضل معاكي لحد سنتين ما يفوتوا ..لكن هاشرب واكل فين..انا كده ممكن اموت

قالت : صقف بايدك تلاقي اللي نفسك فيه إلا أنا..انا ممكن تشوف الكوخ بتاعي من برة بس..محرم عليك تدخله

مازن: ليه الكوخ ده بالذات ؟

قالت : مش عارفة هم قالوا كده

مازن: هم مين يا بنت الحلال جاوبيني

قالت : مقدرش..ده سر ..انا هاقوم دلوقتي..


عاش مازن ايامه ولياليه يتمني ويجد ما يتمناه امامه ..طعام شراب ونساء كما يشتهي.. صدورهن شهية كالرمان وأفخاذهن متماسكة كالجياد وخصرهن مائل متموج كما الموال الشعبي..
عاش ايامه كانه في جنة من صنعه ..ما يرغبه يجده في اي وقت وبمجرد صقفة..
ولكن ظل يتابع من بعيد أول إمرأة قابلها..ظل يتابع الكوخ بحذر ..الوخ الذي ينير ليلا وسط اصوات ضحكات غريبة وجملة كما صدي الصوت تقول : "عاد ومال إلي هو"
من هو ؟؟
ماذا تعني هذه الجملة "عاد ومال إلي هو"
عاد ومال إليها ؟؟ من هو ؟؟ما هذه الشفرة الغريبة ؟؟

كان كل يوم كما سابقه في تلك البقعة من خريطة العجب..يستيقظ كيوبيد وكأنه يقوم من الموت ويضرب سهمه في الكوخ فينير بنور سماوي غريب وتتناثر الرسائل ويصيح الصوت "عاد ومال إلي هو"
كل يوم نفس المشهد تقريبا الي ان انتهت السنتين..
كان يحسب الأيام كما يحسبها العشاق بالدقيقة والثانية..

كان يقف كل يوم امام الكوخ ويقول : "يالها من قصة حب ..يالها من إمرأة سعيدة..عاد اليها حبيبها ..وتنير الكوخ في كل ليلة بسعادتها وضحكها ورسائل الغرام"
كان يحسدها من فرط سعادتها بحبها وعشقها الأبدي..
كان يتمني ان يكون هو صاحب هذه الملحمة العشقية..
 قال لنفسه : " يا أجمل النساء..ليتني زهرة تموت في يديك ولا تجد سقياها الا في ندي خدك المقتول حسنا ..
من هو ؟ من الذي عاد ؟؟ هل تتحدثين عني يا عصير الأنوثة الأشهي والأطيب ؟؟
كم انتي سعيدة ومبتهجة وكأنك ترين سراب في وسط صحراء لقوس قزح او بحيرة بعد عطش..
كم انتي مبتهجة بعودة حبيبك..ياليتني مثلك أبتهج بعودة حبيبتي..او تعودين الي انتي وتعوضيني عن سنوات عذابي"


انتهت السنتين..جري سريعا الي الكوخ..فتح الباب ولم يجد أحد..
بدا المشهد يمحي تدريجيا..عادت اليه سيارته..انتهي تأثير الصقفة العجيبة ..وجد السيدة العجوز مرة أخري..تقف امام سيارته وترفع لافتة مكتوب عليها "زي المراية عكس عكاس"
وجد طفل صغير يرسم علي جدار مصطنع في وسط الصحراء ويكتب "زي المراية عكس عكاس"
جري مسرعا وراء هذا الطفل وأمسك به وقال " انت مين؟؟..انت بتكتب كده ليه؟؟مين قالك تكتب كده؟؟مراية ايه وعكس عكاس ايه ؟؟ وفي الكوخ اللي كان هنا..؟"

لم يجبه الطفل وبكي بصوت هز السماء الي ان سد مازن أذنيه في ألم وقال " كفاية..كفاية..امشي من هنا..صوتك مرعب"

وجد طوال طريق خروجه من اللوحة بشر علي جانب الطريق كلهم يمسكون لوحات مكتوب عليها : "زي المراية عكس عكاس"

بدأ يحاول ان يفهم ما الذي يقصدونه؟؟ما هو الشئ المعكوس في هذا العالم اذا لم يكن كله معكوس أصلا..
وعاد الصوت يردد : "عاد ومال الي هو"
وفي نفس الوقت يري جملة عكس عكاس..

والان بدا له المشهد جليا وبدات الرؤية في الوضوح:
بدأ في عكس كل مايراه..
الجملة تقول : "عاد ومال الي هو"  وان عكست حروفها وقرأتها من اليسار تقول  "وهي لألام وداع"
انها الشفرة..
انه كل شئ معكوس كالمرأة في تلك اللوحة..
عاد مسرعا الي الكوخ ووجده مشتعلا حتي أخره وشبه متفحم..

المشهد معكوس كليا..الجملة تقول " وهي لألام وداع"..والنور ليس نور انها نار ..والرسائل رسائل وداع وكيوبيد لا يقوم من موته ويضرب سهمه في قلب الكوخ بل يضرب في مقتل من الكوخ نفسه ويخر صريعا..
انها اللوحة المعكوسة المذهلة..
بكي مازن علي مشهد إمرأة ملائكية تحترق بفعل الهجر والوداع..
قال له الصوت من بعيد :  "  لوحتك تقول لك..ان تأملت في الحياة فتامل من بعيد..
لا تقترب أكثر فقد لا يرك ما تراه..
قد تري الانانية في من تظنهم أهل التضحية..
قد تري الهجر في من ظننتهم اهل الحب والغرام..
قد تري الخيانة في من ظننت انهم اهل النبل والوفاء..
انظر للحياة كما اللوحة..كوخ وطير مغرد وأمل..
فان دخلت لوحتك قد تقتلك صرخة الألوان.."


قال لنفسه : "من ظننتها تضحك وتشرب نخبا للحب كل ليلة كانت تحرق الرسائل وتبكي..
أعطتني القدرة علي تحقيق الحلم بصقفة كي اتبعد عن الكوخ ولا اقترب..
كانت لا تريد ان تحرق قلبي بقصة هجر جديدة..
ولكن المرأة العجوز كانت هي اليأس الذي اعادني الي ان اتحقق من كل شئ وظهر كما مرأة معكوسة..



"الأفضل ان نري الأشياء من بعيد..الأفضل ان نظل نعيش بالأمل ولو كان كاذبا بدلا من ان نقترب من الحقيقة ونجدها موت ونار تأكل الاخضر واليابس في صدورنا"
أهذا هو سر اللوحة ؟؟



وخارج اطار اللوحة الغريبة
في احد الاقسام :



الظابط : اقفل المحضر يا ابني ..هيتحول لمستشفي امراض عقلية..
مازن: أنا مقتلتش حد..أنا مقتلتش حد..هي اللي حرقت الكوخ..كل حاجة زي المراية عكس عكاس..
الظابط : تمام تمام ..خدوه من هنا بسرعة..مراية ايه وكلام فارغ ايه ؟؟


وبعد لحظات ومع خروج مازن :

العسكري : واحد سابت لحضرتك الورقة دي يا حضرة الظابط
الظابط : واحدة مين ؟
العسكري: مش عارف يا افندم..واحدة وشها متشوه كده او محروق وسايبة الورقة دي

وقرأ الظابط الرسالة التي قالت :

"مازن مش مجنون..انتوا اللي عالم مجنون ماشي بالعكس..هو بيحكي عن اللوحة..لوحة الدنيا والحب.. وانتوا عايشين جواها مش عايزين تبصوا ليها من بعيد..
بتبصوا لكل حاجة وحشة فيها ومش بتتاملوا فيها من بعيد وتشوفوا فيها الأحلي والأطهر..
مازن محرقش الكوخ..انا حرقته..مازن مش مجنون.."

صاح الظابط : هاتوا الست دي بسرررررررررررعة
العسكري: مشيت يا افندم كأن الارض انشقت وبلعتها..


عاش مازن سنوات في مستشفي الأمراض العقلية ظلما وبهتانا..ولم يقم بزيارته الا الظابط الذي بدا يصدق القصة كاملة ولكن كيف يصدقه العالم ..
شاهد السيدة ذات الوجه المحترق عدة مرات وتركت له الورقة التي تقول كما رواية مازن  "وهي لألام وداع"
عاش الظابط في حيرة ..وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه..
ولكن من هي التي قال عنها مازن "ما قتلتهاش ما قتلتهاش" ؟؟
لا أحد يعرف الا الظابط ومازن فقط..

انه سر اللوحة..
ان عرفت..هنيئا لك..
وان لم تعرف..فهنيئا للوحة الغامضة..
سأساعدك قليلا وأهمس في أذنيك : "بيتا الفا ثيتا دلتا"..
بيتا ألفا ثيتا دلتا..

Sunday, April 14, 2013

نظارة مبارك السوداء وابتسامته الأشد سوادا







ابتسم مبارك من داخل قفصه الذي تزين بأوهامه الوردية في عودته مرة أخري لكرسي القهر وشبق الحكم وابادة الشعب المصري بسبب عثرات تواجه الثورة المصرية ..
عادت نغمة الجملة الحزينة "فين ايامك يا مبارك" ..

أين أيام السرطنة والأمية واللاتجربة والفشل الكامل وموت الاطفال في الحضانات بسبب انقطاع التيار الكهربائي واهانة الكرامة في الأقسام بإسم الحفاظ علي الأمن..
أين أيام الديكتاتور مبارك الذي جعل مصر بلا هوية وجعل المصريين في الخارج يتعرضون كل يوم لنكبة تشعرهم بانهم بلا كرامة ولا وطن..
أين أيام صخرة الدويقة وايجار الناس للمقابر لكي يعيشوا فيها حياة كريهة مقيتة بلا أدمية..
أين أيام بيع الأراضي والقصور للحاشية الفاسدة والوزراء المنافقين..
أين أيام تزوير الانتخابات وتقفيل الصناديق بإسم الديمقراطية..

لا أعرف كيف أعبر عن استيائي من تلك الجملة "فين ايامك يا مبارك" وكأننا نسينا ما حدث أيام مبارك ونظامه الفاسد الغارق في الفساد حتي الثمالة ..
أعجبتني مقولة د-عمرو الشوبكي في جريدة المصري اليوم التي قال فيها  "ان ابتسامة مبارك الشامتة في خصومه الفشلة يجب ان تتحول الي بكاء علي نظامه الفاشل الذي أوصلنا الي ما نحن فيه الأن " .

كل ما يحدث الأن بسبب فشل جماعة الاخوان ولن اقول حزب الحرية والعدالة وامارس دور في هذه المسرحية السخيفة التي تسمي "من يحكم مصر" فمن يحكم مصر هم جماعة الاخوان المسلمون الذين أتوا بلا برنامج ولا

خطة لنهضة مصر وللأسف أوقعوها في شر أعمالها من أزمات مستمرة اقتصادية وغيرها وتقسيم للشعب المصري وعدم احترام للقانون  ومحاولة للسيطرة علي كل مفاصل البلاد في نية مبيتة لتزوير انتخابات قادمة كما فعل اصدقائهم في الحزب الوطني حزب الصفقات ..

ليس ذنب الثورة المصرية انها أتت بنظام فاشل جديد فقد كان غرض الثورة الرئيسي اقصاء نظام فاسد وهذا ما تحقق ولكن اتي نظام فاشل ..فليس دور الثورة ان تتوقع ولكن ان تزيل الوضع السئ..فكم من ثورة حول العالم أتت بنتيجة مخيبة للأمال ولكنها تبقي علي الأقل ارادة شعب ومحاولة لتغيير وضع قائم فاسد بكل المقاييس..
ثورات عدة لم تكتمل في اوروبا وفشلت في منتصفها في قرون مضت وثورات انقلبت عيلها الثورة المضادة مثل ما حدث في اوكرانيا وغيرها ولكن تبقي الثورة هي محاولة حفاظ الشعب علي كرامته وهويته بلا تدنيس.

الغريب ان البعض يردد ان مبارك برئ وليس عليه من تهم وكأن كل التهم التي احاطت بحاشيته من اختلاس اموال بالملايين والمليارت لا يخص مبارك !!
وكأن مبارك مسئول عن نفسه فقط وليس عن اختياراته التي ذهبت بالبلاد الي الحضيض بسبب اختلاس وسرقة ونهب للسادة الوزراء والحاشية المقدسة لمبارك التي لا تمس بسبب السلطة والجاه التي احاطت بهم..

قرأت في احدي المقالات في جريدة  عن ابن تيمية وكتابه "السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية" أرائه في الحكم والحكام ما يلي واحاول تلخيص المقالة في عدة نقاط :

1- أولي ابن تيمية للشوري أهمية كبيرة وقال انها جوهر النظام السياسي ولا يجب ان يستبد الحاكم بالرأي .

2- يري ان الامة معصومة لانها لا تجتمع علي ضلالة ولها الحق في رقابة الحكام

3- ينصح بالطاعة للحاكم وان جاء بمعصية فلا طاعة له..وطاعة الحاكم لا تعني الغاء الرقابة عليه

4- ينصح الحاكم دائما بإختيار الأصلح في حاشيته



طبعا كل هذه النقاط بعيدة كل البعد عن فترة حكم مبارك وحتي عن الوضع الحالي فلا اعرف اي سبب للتحدث عن عصر مبارك برغم مخالفة كل ما فعله عن اراء علماء المسلمين وفلاسفة الغرب وافكارهم السياسية مثل جون لوك او جون ديوي وغيرهم ..فلا شرق ولا غرب قد سار علي دربه مبارك بل سار فقط علي وتيرة فاسدة واحدة ..الاستبداد والديكتاتورية ..


فشل الاخوان في ادارة البلاد نعم ولكن هذا لا يعني الحنين الي مبارك..أتستبدلون الفاشل بالفاسد ؟؟
أتستبدلون المخيب للأمال بقاتل الاحلام ؟؟
أتستبدلون الضعيف بالعاجز ؟؟
مالكم كيف تحكمون ؟؟



ألم يقل علي ابن ابي طالب "إن إمرتكم هذه لا تساوي شسع نعلي ما لم أقم بها عدلا وأدخر باطلا"..
فكيف أقام مبارك العدل او دولة القانون ؟؟ بالتزوير والديكتاتورية ؟

هل هي "متلازمة ستكهولم" في الحنين الي القهر مرة أخري ؟؟ا
هل هي" نظرية القاهر والمقهور" لابن خلدون حينما قال ان المقهور يسلك سلوك القاهر !!
أم كما قال محمود درويش  "من رضع من ثدي الذل دهرا رأي في الحرية خراباً وشرا"


لما الحنين الي عصر مبارك الذي اشبعنا قهرا وقمعا او ما يسمي ب
Institutionalized oppression
قمع محكم بالقوانين ..قمع مؤسسات وأجهزة دولة..قمع كامل وشامل واضفاء هامش ديمقراطي علي ديكتاتورية نظام كامل.

ألم يري هؤلاء أموال مصر المنهوبة بالداخل والخارج في عصر مبارك ؟؟
ألم يروا ماذا فعل أحمد عز وكم نهب هو ووزير الاسكان السابق بالورق والمستندات ؟؟
ألم تكن تلك حاشية مبارك ؟ ألم يروا التلاعب في البورصة المصرية بالمليارات ؟ واستيراد مصر لكل شئ حتي الفوانيس الرمضانية ؟؟؟
لأي عصر نحن ؟؟ انها جريمة ان تحن الي الذل والهوان مرة أخري ويالها من جريمة نكراء..

قامت الثورة ليس من اجل ما نعانيه الأن..قامت الثورة في الأساس من اجل الاهداف المعروفة "عيش حرية عدالة اجتماعية"..ان لم تتحقق تلك الاهداف فلا نلوم علي الثورة المجيدة بل نلوم علي من لم يستطع ان يحققها..

لم تقم الثورة وهدفها الرئيسي قهر الشعب المصري او تجربة فاشلة جديدة بل قامت في الأساس لرفع العبء عن كاهل الشعب ومحاولة اعطاء قبلة الحياة للديمقراطية المقتولة في السياسة المصرية ومحاولة ان يعيش الفقراء حياة ادمية كريمة..فلماذا نلوم الثورة ؟؟ ماذا فعلت الثورة كي يلومها أبناء مبارك الذين يتمنون فشل الدولة وعودة مبارك كي يثبتوا فقط وجهة نظرهم..

ابتسامة مبارك شماتة في مصر وياله من خزي وعار ان تشمت في بلدك حتي وان كنت قد عزلت علي يدها..ابتسامة ابناء مبارك هي شماتة في الثورة اي شماتة في مصر ايضا وكأنهم من دولة اخري لا يرون الفقر المدقع او خط الفقر الذي مات تحته الفقراء كمدا وحسرة في العشوائيات..
فشل الرئيس مرسي في ادارة البلاد لا تعني ان مبارك هو الأجدر بل تعني اننا خرجنا من فخ الي فخ اخر ..
نريد ان نخرج الي تجربة جديدة لا ان نعيد نفس التجربة الفاشلة الفاسدة..

لن تسقط ثورة الشهداء والشرفاء ولن تعود ابدا ايام مبارك مهما شمت الشامتون..
برغم كرهي وغضبي من النظام الحالي واسلوب ادارته للبلاد فأنا الأن بعد رؤية هذه المشهد العبثي في محاكمة مبارك من شماتة الشامتين فانا للأسف في يوم ما سأكون مع اخونة الدولة !!!
فكما قال وائل قنديل سابقا في مقاله  ان "اخونة الدولة افضل من عكشنتها"..وان نعود لمبارك هي حالة عكشنة كاملة نسبة الي توفيق عكاشة الاب الروحي لأسفين يا ريس..

السيطرة علي الدولة ومحاولة اخونتها هي تجربة فاشلة وضعيفة ولكن ان نعود لمبارك وحاشيته الظالمة هي تجربة الدخول في دوامة وعدم الخروج منها ولو بعد حين..
لن تعود يا مبارك وان ابتسمت ولوحت بيدك لعشاق الاستعباد ..
لن تعود يا مبارك وان صبغت شعرك من اموال المصريين الذي عاشوا الحرمان وعانوا الأمرين بسببك..
لن تعود يا مبارك وان اخرج فريد الديب سيجاره المحبب وتحدث بثقة الذي يري ما لا ترون كما قال مرسي ايضا..!!
لن تعود يا مبارك فنحن في مرحلة تقويم الثورة وليس هدمها..


قال جبران خليل جبران عن الحرية  :

"إن كان طاغية تودون خلعه عن عرشه فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدم.
لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار المفتخرين. ما لم يكن الطغيان أساساً لحريتهم والعار قاعدة لكبريائهم؟
وإن كانت هماً ترغبون في التخلص منه فإن ذلك الهم إنما أنتم أخترتموه ولم يضعه أحد عليكم.
وإن كانت خوفاً تريدون طرده عنكم فإن جرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم وليست في يدي من تخافون."



كانت هناك مقولة قديمة تقول "إن "عيشانا" يحكمها عدوها" ..وهي قصة عن تكرار الظلم مرة أخري او تكرار تجربة مريرة في كيان دولة او مملكة مثل ما يحدث لنا الأن وتقول القصة :



 كانت ملكة "عيشانا" في فراش مخاضها والملك وعيون بلاطه يترقبون نجاتها من آلامها الشديدة، وهم جالسون على أحرّ من الجمر في قاعة الثيران المجنحة، أن دخل عليهم فجأة رسول مستعجل، وركع عند قدمي الملك

وقال: "أيها الملك المعظم، إنني أحمل لكم بشائر الفرح، وللملكة، ولعبيد الملك أجمعين، وذلك أن محراب "الحائر" عدوك اللدود، ملك "البترون"، قد قضي نحبه."

 فلما سمع الملك وكبار رجال دولته هذه البشرى نهضوا منتصبين على أقدامهم، وهللوا فرحين لأنه لو طال أجل محراب الجبّبار سنة واحدة، لغزوا أرض "عيشانا" وقاد سكانها عبيداً إلى بلاده.

 وفي تلك اللحظة دخل طبيب البلاط إلى قاعة الثيران المجنحة، ودخلت وراءه قابلة الملكة. فانحنى الطبيب احتراماً للملك وقال له: "ليعش سيدي الملك إلى الأبد، فها قد رزقك الله طفلاً ذكراً، سيخلفك على العرش، ويخلد حكمك على شعوب "عيشانا" عديد السنين !"
 فتهلل الملك، وطارت روحه فرحاً، لأنه في اللحظة الواحدة هلك عدوّه وتأصلت الخلافة في نسله. وكان في مدينة "عيشانا" في ذلك العهد نبي حق، ولكنه كان فتى جريئاً باسل الروح.
 فأمر الملك أن يحضر النبي بين يديه في تلك الليلة، فأحضر في الحال.

  فقال له الملك: "تنبأ أيها النبي، وقل لنا كيف سيكون مستقبل ابني الذي وُلد الآن للمملكة ؟"

  فأجابه النبي على الفور قائلا: "اصغ أيها الملك فأنبئك الصدق عن مستقبل ابنك الذي ولد لك اليوم: فإن روح عدوك – عدوك اللدود الملك محراب – الذي مات في مساء الأمس، لم تلبث على متن الأرياح سوى ليلة واحدة وقد هبط إلى الأرض ثانية تطلب جسداً تأوي إليه، فلم ترَ أفضل من جسد ابنك هذا الذي وُلد لك اليوم فتقمصته."

  فاستشاط الملك غيظاً، وأستلّ سيفه، وقطع رأي النبي بيده والزبد يخرج من فمه غضباً.

 وها قد مرت الأيام، وتصرمت حبال السنين على تلك الحادثة، وحكماء "عيشانا" يُسرون واحدهم للآخر قائلين: "أما قيل لنا في القدم، وأثبتت الأيام ذلك القول، إن "عيشانا" يحكمها عدوها ؟؟"



ربما تعاد علينا تجربة مريرة أخري..ربما كتب علينا ان نكون دائما في حالة المقاومة مع حكامنا وتقويمهم ودائما هم في حالة حيدة عن الطريق الصحيح للحلم المصري..
ولكن لن نعود لأشد التجارب ألما وهو عصر مبارك ثلاثون عاما من الغباء السياسي والقضاء علي الحلم المصري وطموح ابناء الوطن..
لم ينجح مرسي في نهضتنا ولكن لن ينجح مبارك في اسقاطنا في شباكه العنكبوتية مرة اخري..


ستكون ثورتنا ثمن حريتنا ولن تكون حريتنا ثمنا لقهرنا مرة اخري يا مبارك..
ابتسم يا مبارك وسنبتسم نحن أيضا بكل ثقة في ثورتنا التي ستنجح نجاحا كاملا مهما طال الوقت المهم اننا بدأنا والبداية هي تخلصنا منك ومن نظامك..حتي وان طالت مدة انتظار الحلم المهم اننا بدأنا..

ابتسم يا مبارك والبس نظارتك السوداء التي تري من خلالها العالم أسود..ولكننا نراه عالم وردي بلون الحلم والأمل والتجربة القادمة..
اشمت في مصر يا مبارك..ولكن ليس من شيمنا الشماتة في بلادنا لأننا وطنيون حتي النخاع..لا نريد العبث بمقدرات بلادنا من اجل مصالح شخصية ..

ان كنت كرهت النظام الحالي لشهور جربتهم فيها..فانا كرهتك من يوم مولدي لأني تعودت ان اكره الظلم والطغيان طيلة حياتي..
فلن استبدل الكره بالكره ..وسيأتي يوما حاكم يحبه شعبه ويلتف حوله ويتحدث بلغة الانجازات لا بلغة العجز ..
تصريحات الاخوان المستفزة قد هانت امام ابتسامتك الاكثر استفزازا..

ابتسم يا مبارك لتعثر حلمنا ولكنه سيكتمل فوق انقاض نظامك ..
لست اسفا لك ما حييت يا مبارك فالحاكم مجرد اسم ولكن الحق والعدل كيان دولة ..

Monday, April 8, 2013

ســـارة بتـــاعة زمــان...قصة قصيرة






اختلطت مشاعر سارة في هذا اليوم واضحت ضحكتها المتفجرة من وجنتيها وثغرها المعسول مجرد أضغاث أحلام..هو يوم زفاف سارة..لكل الفتيات ربما يكون من أسعد الأيام ولكن سارة مازالت رهينة الماضي ..وكم من الدموع سقطت بإسم الماضي وكم من ذكريات اغتالت فينا أسعد الأيام وأكثرها إخضرارا وأملا..

لم تعتبر أصوات الأغاني حولها وأصوات "الزغاريد" إلا مجرد حفل تأبين لذكري رجل قد إختفي ..نعم قد إختفي منذ سنوات بعد قصة حب طالما تحدث عنها أصدقاء عمر وأصدقاء سارة..فجأة إختفي او كما هو اسم الرواية "ذهب مع الريح"..لا تعرف سارة ماذا حل به..هل مات؟؟ هل اقترف فعل الخيانة وتركها فجأة بعد حب ملأته السنوات والأيام بالشباب والأحلام الوردية..كانت قصة حب طالما قالت عنها "انها كشف خمار انوثتي علي دمائي وكأنهم يتعارفان لأول مرة" ولكن لم تدم القصة طويلا ولم تكتمل الأنوثة حتي خرت صريعة في يد رجل أخر..

"أين أنت يا عمر لماذا تركتني ؟"  هكذا رددت لنفسها أمام المراة وهي تتزين لرجل أخر في يوم العرس ..اختلطت الدموع بالكحل في تلك اللوحة الباكية الانثوية الحزينة التي اشتهرت بها النساء..تختلط الدموع بالكحل وكان الماء يختلط بالتراب ليخلق رجل او شفقة رجل او حب رجل أو كسر قلب رجل من طين اللحظة الدمعية تلك..!!

سارة لم تكن الأولي في فقد من تحب ولكنها كانت تري نفسها أول من فقد واول من قتل..العاشق لا يهمه الجملة الغبية التي تقول "هو انت يعني اول واحد ضاع حبيبه؟" ..ففي عالم العاشق يبقي هو الأول ويبقي هو الأخر ..قوانين الحب لا تسري بأثر رجعي..فالعاشق لا يراجع قصص من سبقوه ولا يقول لنفسه "انا لست الأول" بل يري نفسه ويري قصة حبه متفردة في هذا العالم ولا تملأها الكتب ولا ألسنة النساء ..

في تلك اللحظة علي أبواب الغرفة وقف "ياسين" يتحدث للهاتف ويردد وكانه يسجل لنفسه ويقول  "هي دلوقتي بتعيط..لسه بتفكر في الماضي..قدام المراية بتشوف نفسها وبتعيط..فعلا..انا لو كنت مكان المراية كنت عيطت من جمالها ..انا مش عارف بتقدر تبص لنفسها ازاي في المراية..لكن الماضي ده راح وانا الحاضر والمستقبل..خلا انا دلوقتي كل حاجة في حياتها او هتتعود علي كده..وهو ده الحق انا بحبها بقالي عشرين سنة وهي مش حاسة بيا"

نظرت اليه سارة وهي تمسح سيل الدمع وتقول "ياسين؟؟ انت جيت يا حبيبي؟ انت بتكلم حد ؟

ياسين : ايه..لا لا أبدا ده ده..دي نمرة غلط

سارة : انت سعيد يا ياسين اننا هنعيش مع بعض

ياسين : انا اسعد انسان في الدنيا لكن انتي ليه دموعك علي خدك ؟

سارة : دموع الفرح يا ياسين..دي دموع الفرح


لا نعرف ما الذي يبكي الانسان حين يفرح الا قبس من نشوة الغرور ..انه وصول الفخر بنفسه الي حد الجنون او وصول فرحته بغيره الي حد التضحية احيانا..فهو يبكي في النهاية اما غرور او اخلاص غريب حده السماء..
كانت سارة تكذب في تلك اللحظة وهي تقول انها دموع الفرح..وهي دموع تقتل كل فرحة فيها..انها دموع الذكري..


سنوات من السعادة ولن أقول الحب عاشتها سارة مع ياسين وكانت داخلها دائما تتمني ان تكون هذه السنوات مع حبيبها السابق عمر ولكنه القدر الذي حطم أشرعة أمالها في لجج بحار الألم..

وكانت سارة في تلك اللحظة تعد فنجان الشاي لياسين ولكن استوقفتها همساته المعتادة وهو يردد للهاتف وكانه يكلم نفسه ويقول : "انا في منتهي السعادة مع سارة ..كام سنة وانا بتمني اليوم ده اني اعيشه اني املكه والنهاردة كل احلامي بتتحقق..النهاردة وانا بشوف سارة قدامي ويجمعنا مكان واحد وجدار واحد وحلم واحد بشوف السعادة خمرة بشربها وتاج بلبسه في حلم ملك وقصر خيالي..انا لسه بقول لنفسي مش مصدق وكل يوم بطمن نفسي واقول لا صدق انت عايش الحقيقة..حقيقة سارة.حقيقة الجمال"

تعودت سارة ان تسمع ياسين وهو يتحدث لهاتفه وكانت المكالمة دائما دون رد ولهذا خمنت انه يسجل لنفسه علي مسجل الهاتف مذكرات حياته ربما لانه يعشق الكتابة فلم تريد ان تتدخل في شئونه بالنسبة لمذكراته ولا ان تتطفل عليه الا حينما يعرضها عليها هو بنفسه ويعطيها ما كتبه لتقرأه..


عاد ياسين في أحد الأيام وهو يلهث وكأنه خرج من سباق للركض وكان الانهاك يظهر عليه بشكل واضح وبعض "الطين" علي البنطال وسألته سارة في دهشة : مالك يا ياسين ؟؟ انت كنت فين ؟؟ في ايه ؟ انت كنت بتتخانق ؟

ياسين : دي قصة طويلة يا سارة هاحكيلك بعدين

سارة : يعني ايه هتحكيلي بعدين انا مراتك ومن حقي اقلق عليك..

ياسين : قولتلك هاحكيلك بعدين ياريت تحضريلي هدوم نضيفة بعد اذنك



جلس ياسين في تلك الليلة في شرفة المنزل يحتسي رشفات من فنجان الشاي ويقرأ كتابه الذ يقرأه كل اسبوع بشكل معتاد
great expectations
للكاتب تشارلز ديكنز

وقال فجاة وهو يتامل بعينيه قلق سارة : عارفة انا قريت الرواية دي عشرات المرات

سارة : هي رواية متميزة جدا ولكن انت متعلق بيها بشكل غريب

ياسين : شخصية "ميس هافيشام" يا سارة ..مرعبة جذابة ..انتقام المرأة بتحس بالخيانة اضعاف انتقام الرجل ..
المراة اما بتحس بالخيانة بتحس انك ما خونتهاش بس ده انت خنت كيان الأنثي جواها ..الكيان المقدس اللي قعدت سنين تبنيه وتولع فوقه الشموع عشان الرجل اللي في لحظة يخونها..
انما ساعات انتقام الرجل بيكون شرفه وكبريائه فقط..وساعات تانية عشان الحب ..لكن يبقي انتقام المرأة اقوي..
شوفتي ازاي في الرواية "ميس هافيشام" عاشت بروح الانتقام ..؟ شوفتي ازاي كانت بتربي البنت اللي اتبنتها انها تعيش بدون قلب وتكسر قلب اللي تحبه ؟؟ شوفتي ازاي عاشت بفستان فرح وهي مكسورة ووقفت الساعات بتاعة القصر بتاعها علي لحظة الخيانة ؟؟  شئ رائع قصة مرعبة وغامضة ودرامية وحزينة ومدهشة

سارة : بس دي روح انتقامية سودا قوي..المفروض برضه نسامح

ياسين : مافيش تسامح يا سارة مع حد بيكسر حلمك من الجذور..
مع شخص خد منك كل حاجة وسابك ولا حاجة..
لو سرق مني حاجة مادية ممكن تسامحه لكن سرقة القلوب مافيهاش تسامح الا لو سبت قلبك يتسرق بارادتك في الحب بس


سارة : بس انت يا ياسين قلبك زي قطعة السكر حتي لو اتكسر هيبقي منه فتافيت حلوة انت مش بالروح دي تماما انا عشت معاك سنين وعارفة انك انسان طيب عشان كده بستغرب من حبك للرواية دي وتعلقك بالشخصية دي بالذات


ياسين : ربنا يخليكي ليا يا سارة ونعيش سوا في حب لأخر العمر


أيها القراء الأعزاء..حتي الأن كيف تحكمون علي شخصية "ياسين" ؟؟ مثالي ؟؟ طيب جدا ؟؟ مخلص عاشق؟؟ رب أسرة؟؟ انسان عادي مألوف ؟؟

أيها القراء الأعزاء..لو انتهت القصة عند هذا الحد كيف تحكمون علي ياسين ؟؟
دعونا نأجل رؤيتنا لياسين حتي النهاية


في احد الايام بعد عام اخر :

سارة : ايه الورقة دي يا ياسين ؟؟

ياسين : ده ده عقد كده

سارة : انت مخبي عليا ان ليك حتة ارض في المنطقة الغريبة دي ؟؟

ياسين : ده موضوع قديم ما تشغليش بالك ده استثمار سايبه للزمن

سارة : دي منطقة تستثمر فيها ؟

ياسين : بكرة المنطقة دي اللي مش عاجباكي هتشوفي هيوصل فيها المتر بكام بس اصبري



استثمار ؟؟ قطعة أرض ؟؟ ولكن هل هذه الحقيقة ؟؟ إليكم المفاجأة في المشهد التالي :


ياسين : عمر باشا ايه اخبارك ؟؟

عمر: حرام عليك يا أخي ارحمني ..انت مجنون..انت مريض..انا مش عارف سارة عايشة معاك ازاي ؟؟



ما هذا ؟؟؟ عمر ؟؟؟ألم يختفي الي الأبد وفقد سارة او هجرها ؟؟ كيف يلتقي به ياسين ؟؟

اليكم الاجابة والفاجعة الكبري..
قطعة الأرض التي قال عنها ياسين انها استثمار كانت مجرد ارض في منطقة معزولة حفر فيها ياسين حفرة عميقة وملأها بالتجهيزات والمعدات وصلب فيها عمر في امتار عميقة تحت الأرض ..
وضعه في الوضع مصلوبا سنوات وسنوات ..كل فترة كان يذهب ليفك حباله ويطعمه ثم يتركه هزيلا شاحبا في نفس الحفرة ويغلق عليه بابها العلوي..في منطقة مهما حاول عمر ان يصرخ فيها فلا مجيب ولا رقيب..
عندما اختفي عمر فجاة من الحياة كان هذا الاختفاء الغامض الذي كسر قلب سارة بفعل ياسين..اختطف عمر بفعل انتقامي غريب لا يقل عن جنون شخصية "ميس هافيشام" في روايته المفضلة ..
ولكنه لا ينتقم لان عمر خانه ولكن لأن الحب خانه..لأن سنوات حبه الخالد لسارة تحطمت فجاة امام عينيه عندما علم ان الخطوبة بين سارة وعمر ستتم قريبا..
لم يتحمل ياسين هذا الخبر كسر كل مرايا المنزل وأوانيه وبدا يخطط لفعلته المريضة الغريبة الخارجة عن اطار الانسانية بازمنة وأزمنة..



ياسين : عايزني أرحمك ؟؟ انا ممكن احكيلك شوية عن سارة..يمكن افكرك بالماضي

عمر : عشر سنين يا ياسين وانت راميني في حفرة في منطقة مافيهاش صريخ ابن يومين ..انت فعلا مش انسان

ياسين : وفين الانسانية يا عمر اما تكسر قلبي وتسرق مني قصة حب..
سرقة قصة الحب فين الانسانية فيها ؟؟ اذا كان الانسانية اصلا حب..

عمر : انا مخنتكش..انا حبيتها زي ما انت حبيتها انما مخنتكش ..انت حبك كان من طرف واحد اما هي حبتني..ايوه هافضل اقولك كل مرة تشوف وشي فيها انها كانت بتحبني انا


لم يتحمل ياسين تلك الجملة التي كان يستشيط لها غضبا في كل زيارة لتلك الحفرة وأخرج اعواد الثقاب كالعادة ليشعل اجزاء من جسد عمر التي حفر فيها جزء من جلده علي هيئة تاريخ ورمز
حفر علي جسده شكل أسد كما علامة برج الأسد وهو برج ياسين الذي كان يتابعه دائما في صفحات الجرائد لانه يؤمن بالحظ..
وحفر جزء أخر علي هيئة تاريخ وهو تاريخ ميلاد ياسين..
وكانه يقول له انت ملكي انت انا انت نصفي الشرير ونصف الشيطان داخلي !!

ظل عمر يصرخ ويتألم كالعادة في فترة التعذي المستمرة التي يمارسها علي جسده ياسين بينما كان ياسين يصفر ويقرأ في كتابه المعتاد وهو يجلس في احد اركان الحفرة واجزاء من النار تشتعل في جسد عمر ..
وكلما صرخ اخرج ياسين الكرباج واقام حفلة تعذيب علي جسد عمر..يخرج بها كل سنوات حبه السري لسارة..
وكأنه يجلد ضعفه وعجزه عن البوح لسارة سنوات بحقيقة حبه
يجلد كتمانه ودموعه العاجزة امام جمالها الذي طالما اسر عقله وحواسه..


صرخ عمر : انت شيطان..في يوم سارة هتعرف الحقيقة

ياسين : انا الحقيقة..أنا الأصل..أنا التراب اللي اتخلقت منه المشاعر..انا تراب المشاعر

عمر : عمرها مشافتك وانت بتكلمني في التليفون اللي انت سايبهولي هنا ؟

ياسين : ابدا لاني بتكلم وانت بتفتح السكة بس زي ما أمرتك بتفتكرني بسجل مذكراتي مرة قالتلي كده..انها فاكراني بسجل مذكراتي

عمر : ربنا يكون في عينها..دي اكبر خدعة عاشتها..انت اكبر خدعة..ملاك بقلب شيطان

ياسين : الحب هو شيطاني..يبقي لازم أسلمله ولو كان ناره هتحرقني

عمر : الحب ملاك

ياسين : ده جوة اللي ملكوه..انما بيكون شيطان جوة اللي اتحرموا منه

عمر : انت مجنون

ياسين : سارة هي جنوني


وفجاة يرن الهاتف الذي في الحفرة وسط دهشة عمر وياسين ..

ياسين : ايه ده ؟؟ مين عارف الرقم ده ؟؟ ده رقم ما بيتصلش اصلا بيستقبل بس ؟؟ مش ممكن تكون كلمت حد وقولتله رقمك

عمر : محصلش..انا مستغرب كمان زيك


قام ياسين مفزوعا ليرد علي الهاتف ولكنه لم يسمع أي صوت ..وهو يصيح "ألو..ألو..انت مين"


وفجأة تخيم سحابة الفزع علي قلوب عمر وياسين عندما تصيح سارة من اعلي الحفرة وهي تمسك ببابها وتقول "انا يا ياسين"


نظر ياسين وتكاد عينه تنفطر من العجب والخوف وقال : سارة ؟؟؟؟؟

سارة : ايوه سارة اللي عاشت مع الشيطان سنين طويلة وهي متعرفش..انا فقدت الثقة في كل حاجة حواليا انا معدتش سارة الوفية ولا لماضيها اللي هو عمر ولا لحاضرها اللي هو انت

عمر : بلغي البوليس يا سارة يا حبيبتي ..قوليلهم الحقيقة ارجوكي ده بيعذبني هنا من سنين انا مسبتكيش بارادتي ده انسان مجنون

سارة : كنت احلي ماضي يا عمر..وانت كنت اوفي زوج يا ياسين او انا افتكرتك كده

عمر : انا الحقيقة وهو الخداع..انا الوفاء وهو تمثيلية لعبها عليكي

سارة : انا سمعت كل حاجة وعرفت مكان الارض اللي كلمني عليها وراقبته وكنت متاكده ان الموضوع في شئ مريب

ياسين : انا بحبك ياسارة عشان كده عملت كل ده

سارة : الحب مبيتلونش بالحقد والنار..ده بيتلون بدم القلب ودمع العين بس

ياسين : ارجوكي يا سارة افهميني

سارة : فات الوقت يا ياسين..ومع السلامة يا عمر



سارة التي عاشت ملاكا..حولها الكره واعماها الي شيطان جديد .."ميس هافيشام" جديدة تعيش من اجل الانتقام ؟؟
هل هذه الرواية لعنة مسلطة انتقلت عدواها الي سارة هي الاخري ؟؟

القت سارة كميات من المواد المشتعلة من اعلي الحفرة وعود من الثقاب المشتعل ...
أحرقت سارة بلا قلب ماضيها وحاضرها..
ما ذنب عمر الذي عذبه ياسين سنوات بكل قسوة ان يموت علي يد من أحب ؟؟
كيف كانت سارة تري تلك اللحظة وهي تشعل ماضيها وحاضرها ؟؟

قالت لنفسها "سأبدأ حياة جديدة..لن استطيع استعادة ماضي حزين ولا حاضر كاذب"
مستها روح الانتقام من كل رجل..رغم ان عمر كان بلا ذنب اقترفه الا انها كرهت كل الرجال ..

الخيانة والكذب تقتل في المرأة روحها وأنوثتها معا..
انها تنتقم من أجل حواء ..ومن اجل قداسة حواء وروح حواء..
انها قضية بقاء وكرامة..وليست مجرد قضية انتقام..

"اهذا أدم الذي خرجت من ضلعه..فلأحرق أضلعه وأراها هشيما تذروه الرياح امام عيني"  هكذا قالت سارة لنفسها وهي تري النار تاكل أجساد الرجال بكل وحشية..
لا يأخذك بهم شفقة ولا رحمة..هكذا قال ليها ضميرها الذي تلون بلون الشر والدماء..

"كنت علي حق يا ياسين"
قالت سارة وهي تحدث نفسها : "الانتقام جوة المرأة اضعاف الرجل..دي الجملة الوحيدة الصادقة اللي قولتها في حياتك الكذابة..ودلوقتي اثبتلك الجملة دي.."


مات ياسين وعمر ولم يستدل علي مكانهما في هذا المكان الغريب البعيد عن اي عمران واي شخص يمر به..
وبعد سنوات جلست سارة في غرفة مكتبها تقوم بعملها بينما دخلت عليها امها قائلة : سارة يا حبيبتي..ده تاني راجل اختفي في ظروف غامضة..انا عارفة انك مقهورة لكن حاولي تخرجي من اللي انتي فيه ده..

سارة :ايه اللي انا فيه يا ماما انا كويسة اهو

الام : يا بنتي انا مبقيتش عارفاكي حتي البواب اللي كنتي بتعمليه كويس بقيتي بتشخطي فيه كل عشر دقايق لحد ما بقي عايز يهج من العمارة..فين سارة بتاعة زمان ؟؟


قالت سارة وهي تعلق علي الحائط برواز ضخمة فيه صورة ل "ميس هافيشام" : سارة بتاعة زمان ؟؟؟ هتلاقيها في حفرة في مكان ميعرفوش انس ولا جان..اه يا ماما ..مكان ميعرفوش انس ولا جان..


ان الرجل قد يمارس فترة حياة الانتقام
ولكن المرأة حينما تنتقم فانها تمارس الانتقام من الحياة  !!



Tuesday, April 2, 2013

أعيدوها سـالمة..فقط أعيدوها..قصة قصيرة






الشخصيات :

الاستاذ صدي : مردد لما يقوله الغير دون وعي

الاستاذ "هما قالوا" : مردد لما يقوله العلماء دون تفكير

الاستاذ "دقن الخير" : شخصية تهرب من المسئولية وترتدي عباءة الدين

الاستاذ "انقاذ" : شخصية تردد عبارة انقذوا مصر دون ان يفعل هو اي شئ لحل مشاكل مصر

المواطن "اوكسجين" : يا جماعة شوية هوا مصر البلد عايزة تتنفس

الاستاذ " شعر طويل" : مواطن مصري مسلم ليبرالي

الاستاذ "حقي" : مشارك في اعتصام




تبدا الأحداث في احدي البقاع ..ورغم ان كلمة "بقاع" لفظ شائع الا اني احب استعماله باسقاط اخر وهو انها بالعامية " منطقة مبقعة" !! بالفساد او بالروتين او بخلل في اجهزة الدولة ولكن المهم انها "منطقة مبقعة".
يقف مجموعة من الأشخاص يحملون اللافتات المنددة بتصرفات الحكومة والتصريحات التي لا تعطي للفقراء اي امل في الحياة بل علي العكس تزيدهم هما علي هم وكمدا علي كمد.

تمر سيدة عجوز بجوار الاعتصام الذي اغلق الطريق الدائري لمدة ست ساعات وتقول: اتقوا الله يا ابني انا ست كبيرة وعايزة اروح انا لو فضلت كده هاموت.

حقي : وهم يعني اتقوا الله فينا يا حاجة ؟ عموما هنروحك يا حاجة بس عايزين حق البلد

دقن الخير: لازم نطيع اولي الامر يا راجل انت والخير جاي جاي ده المشروع بتاعنا هو الاسلام بعينه ولا في غيره

حقي : اتلهي يا راجل انت واقعد علي جنب كل حاجة تقولوا عليها اسلامي والاسلام دين رحمة ومحبة وتعاون انما ولا شوفناكم بتنزلوا عشوائيات ولا بتعملوا اي حاجة غير وقت الانتخابات يا مصيلحي انت

هما قالوا : الاستاذ دقن الخير علي حق وبعدين هما قالوا النهضة والاصلاح جاي جاي مهما طال الوقت


يخرج شعر طويل من سيارته ويغلقها للمشاركة في محاولة الحوار مع المعتصمين الغاضبين :

شعر طويل : السلام عليكم

دقن الخير : اتفضل يا سيدي اهو قفل الاغاني اللي كان فاتحها وجاي يشوف حال البلد..شوية ليبراليين عايزين ال..

شعر طويل: هو ده رد السلام عندكم ؟

دقن الخير : لا سلام عليكم يا اخي

شعر طويل : هو ده الوجه الاسلامي اللي المفروض يحببني في ديني ؟ ..بس انا بحبه غصبا عنكم حتي لو حاولتوا مرارا تكرهوني فيه عمري ما هاكرهه لانه دين الرحمة والتسامح مش دين "مسح الجوخ" للحكام

دقن الخير : انت هتلبخ يا اخي ؟

شعر طويل : اخوك منين بقي ده انت فاضلك دقيقة وتكفرني من غير ما اتكلم عشان فاتح اغنية وشعري منعكش حبتين ..ما انتوا ملوك المظاهر والقلب خرابة

دقن الخير : وانت اتطلعت علي قلوبنا ولا عالم بالغيب ؟

شعر طويل : لا طبعا اكيد حق الاطلاع علي القلوب ومحاكم تفتيش اقلوب عندكم انتم بس انما احنا مينفعش لاننا كفرة في نظركم

دقن الخير : يا اخي القرأن نفسه بيقول : "واغلظ عليهم"

شعر طويل : دي الاية اللي بتفسروها علي مزاجكم عشان تمشوا ورا اهوائكم وعشان تكفروا اللي انتوا عايزينه للوصول لاغراض سياسية دنيوية بحتة .

دقن الخير : يا اخي اتقي الله ده تفسير العلماء .

شعر طويل : المشكلة دلوقتي ان اي حد يطلع في قناة تعتبروه انتوا عالم وكلمة عالم دي واسعة عليكم قوي

دقن الخير : يا اخي انت مالك ومال الدين انت قرأت حاجة لابن تيمية او لابن القيم وغيرهم

شعر طويل : حجتكم غريبة يا اخي انا مش مطلوب مني اكون عالم دين ولكن اعرف ديني كويس واعرف حاجات تانية في الحياة..انت بتقولي تعرف ابن تيمية اقولك قريت عنه لكن انت غايب عنك حاجات كتير باسم الانشغال في مجال واحد ..الدين قال اقرأ ومقالش اقرأ في الدين فقط لا غير بل قال اقرأ في كل حاجة..قريت انت حاجة لتوماس فريدمان في السياسية ولا فرجينيا وولف في الادب ولا هيلين توماس ولا تعرف مين هو جون لوك او تعرف اي نظرية لالبير كامو ؟

دقن الخير : مين دول ؟

شعر طويل : بالظبط كده هو ده اللي عايز اوصلهولك ..كل اللي انت بتقراه ودي مشكلتكم في مجال واحد واتجاه واحد وعشان كده بتحاول تكفر ما سواه تسهيلا عليك لان طبعا مش هتعرف تقرا ده كله ..الثقافة مجالاتها متعددة ومختلفة فمتحاولش تتظاهر بثقافتك الدينية فقط ده انت كنت اصلا مثقف فيها فعلا لانك لو كنت فعلا زي ما بتقول كنت اظهرت الوجه الحقيقي للإسلام..يعني الخلاصة زي ما انت قريت ابن تيمية ولا خلصت اعماله احنا الليبراليين الكفرة خلصنا اعمال ناس كتير ولو حتي مش في نفس المجال ..احتكار العلم بداية الجهل

دقن الخير : انت بتفسر علي مزاجك

شعر طويل : وانت بتكفر علي مزاجك..يا اخي ده حتي الصهاينة فسروا مقاطع في التوراة علي مزاجهم بتفسير خاطئ عشان يبرروا احتلالهم الأثم علي فلسطين..عارف الحكاية دي ؟

دقن الخير : ازاي ؟

شعر طويل : زي ما انتوا بتفسروا بعض الايات علي مزاجكم هم كمان فسروا الاصحاح العشرن من سفر التثنية اللي بيقول : "واما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك ميراثا فلا تستبق منها نسمة واحدة بل أبدها علي بكرة أبيها".. وقالوا في تفسيرهم ان الكلام ده بينطبق علي العرب والكلام ده غير صحيح جملة وتفصيلا

دقن الخير : يا اخي دول صهاينة اتق الله

هم قالوا : ايوه يا اخي اتق الله زي ما قال

شعر طويل : انت اللي زيك هم اللي مضيعين البلد يا استاذ "هم قالوا" ..بتردد وراهم علي اساس هم عقلك اللي بيفكر لك وعينك اللي بتشوف بيها وكأنك مكسل تفكر مع ان التفكير والتدبر واجب عليك ودينك بيقولك كده

هم قالوا : لكن هم قالوا وفكروا وهم صح..هم صح

شعر طويل : انت بتفكرني من بعيد بحاجة اسمها
Echolalia
بيبقي الواحد في الحالة دي كأنه مجرد صدي لأصوات غيره بالظبط حتي لو مش فاهم بيقول ايه بالظبط

دقن الخير : سيب الراجل في حالة ده راجل فيه الخير

شعر طويل : طبعا الخير عندكم يعني الجهل..عايزين جهلة كتير عشان تضحكوا عليهم باسم الدين مع ان الدين قال إقرأ..وعايزين فقرا كتير عشان الاصوات في الانتخابات وبتتكلموا عن الزهد بتاع عمر بن الخطاب ولا عمر بن عبد العزيز في جاومعكم والشيخ اصلا متجوز اربعة وكرشه عشرة متر قدامه ..يا سلام علي الزهد يا اخي

دقن الخير : مش مهم المظهر..

شعر طويل : ااااه اخيرا وقعتك..دلوقتي مش مهم المظهر انما اول ما شوفتني بشعري والاغنية اللي فاتحها كان مهم المظهر

دقن الخير : ايه ايه..ال...

شعر طويل : وقعت في حيص بيص طبعا ..شعري وشكلي مهم ليك انما كرش مولاك مبيدلش علي حاجة ..اهل العلم لازم يبقوا بكرش ؟؟


وفي وسط الحوار تسقط السيدة العجوز مغشيا عليها :


اوكسجين : وسع يا جددددع انت وهو وسع البلد عايزة هوا الست عايزة هوا هتتخنق

دقن الخير : حد يساعدها يا اخي حد يساعد

شعر طويل : ما تساعد انت يا عالم

دقن الخير : انا معرفش يا اخي مش تخصصي

شعر طويل : انما جعلت الدين كهنوت وخليته تخصصك لحد ما اصبحن مهنة شيخ مهنة من لا مهنة له..تقرالك كام كتاب بقيت عالم وانت ولا فاهم حاجة ولا متخصص ولا ازهري ولا نيلة

دقن الخير : يعني انت هتساعدها ؟

شعر طويل: انا قريت عن الاسعافات الاولية مرة في كتاب والحكاية دي هتفيدني دلوقتي ..في اوقات بيفيد فيها فروع تانية من العلم اللي انتوا اهله طبعا ولا ايه يا سعادة البيه الشيخ ؟؟

دقن الخير: احم..اكيد..المهم حد يساعد الست هتموت


وبدأ "شعر طويل" في مساعدة السيدة وتفريق الناس عنها لتستطيع التنفس وبدأت تفيق تدريجيا وتستعيد وعيها ..


دقن الخير : اكيد بتعمل الخير كنوع من المنظرة مش معقول انت جواك خير

شعر طويل : نفس اللي انا شايفه فيك بالظبط..مكونتش زمان بنظر كده ليك لكن دلوقتي شايف دقنك منظرة وجلابيتك منظرة ومن جواك شخص عايش في غربة عن العالم ..مع انك كنت زمان رمز للتسامح وابتسامتك استبدلتها بتكشيرة من زمن ابو لهب

دقن الخير : من الهم اللي بنشوفه

شعر طويل: يا اخي حتي الرسول كان بيدعونا للتفاؤل والابتسام في وجه اخيك كمان انما انتم لا تملكوا غير الشتيمة والسباب والوعيد باسم الدين ..انتوا مش حراس الدين انتوا سجانين الدين لكن عمره ما هيتحبس في فهمكم وشرعكم وتفسيراتكم الغلط..عمركم ما هتحبسوه

دقن الخير : لا هنحرره عشان يلبس ميني جيب علي مقاسكم انتم

شعر طويل : يا اخي ده الرسول كان بيعلم الاسري بتوع الحروب وانتوا بتكفروا المسلمين اللي زيكم

دقن الخير : انتوا ضد المشروع الاسلامي

شعر طويل : لا لا احنا ضد اسلمة المشروع..هو مشروع سياسي وليهكم فيه مطامع انما مش اسلامي خالص لو كان اسلامي كنا وافقنا عليه..انما طالما انتوا اللي سميتوه اسلامي تبقي مصيبة لانكم بعيد قوي عن الاسلام الحق اللي قرينا عنه..

دقن الخير : احنا عايزين الخير للبلد

شعر طويل : واحنا عايزين الخير للبلد لكن انتوا احتكرتم الخير والدين والطريق كله

انقاذ: افضلوا اتخانقوا انتم وسيبوا البلد تولع

شعر طويل : وانت كمان بتضيع البلد معانا كلنا مسئولين

انقاذ : انت معايا ولا معاه ؟

شعر طويل: انا مع مصر..تقدر تقولي عملت ايه لمصر؟؟فين مشروعك الكبير الضخم لانقاذ العشوائيات من الفقر والجهل والمرض؟؟فين خطتك اللي بتحاول تنفذها بدون حتي مساعدة الحكومة ؟؟ فين اللي عملته للبلد بالارقام والاحصائيات طالما مش عاجباك ارقام الحكومة الكدابة فين ارقامك انت ؟؟ ليه كل همك رئيس يقوم من علي كرسي عشان تقعد علي كرسي ؟؟ هتعمل ايه موضحتش يعني..كنت حتي عملت اي حاجة دلوقتي بدل الكلام والمعارضة الخايبة..لو عايز تعارض احرجهم افحم الحكومة وقولهم عملت انا كذا وكذا وانتوا معملتوش انما للأسف زيك زيهم بالظبط..انتوا الاتنين بق وافعال مافيش

دقن الخير : الله يفتح عليك دول بيولعوا البلد مش بينقذوها

انقاذ : خلي حد تاني يتكلم عن توليع البلد يا عم الدقن

دقن الخير: احنا طريق الحق

انقاذ : هتلر كان شايف نفسه كده برضه وجنكير خان

دقن الخير: اعوذ بالله دول كفرة بالدين

انقاذ: وانتوا كفرة بالاختلاف ووجهات النظر

دقن الخير: احنا الدين

انقاذ : زي ملك عربي قال لأولاده الجملة الشهيرة "الدين عباءة الملك"  عشان يتستر باسم الدين علي افعال اولاده وفضائحهم ويخلد حكمه باسم الدين

دقن الخير : طريق الدين مافيهوش اخطاء

انقاذ: انتوا الخطأ الوحيد فيه لولاكم لكان طريق طاهر زي ما المفروض يكون


ويمر رجل عجوز ويسقط ارضا في وسط الاختلاف والاعتصام وغلق الطريق :

دقن الخير : حد يساعده يا جماعة مش كده الراجل هيموت

شعر طويل: ده اخرك تنادي للمساعدة ومتساعدش..هم يتعبوا وانت فاكر انك هتاخد الحسنات كلها ما انا كافر مش هاخد حسنات علي المساعدة

دقن الخير: يا اخي اتق الله الراجل بيموت


ويدخل مسئول حكومي بالسيجار والسيارة الفخمة :

المسئول: ايه يا اخي في ايه انت وهو ايه الدوشة دي ؟

حقي : عايز حقي..فين فلوسنا ..فين السولار فين اي حاجة يا عالم يا كفرة

المسئول : احترم نفسك يا بتاع انت ..هاتوه الجدع ده

هم قالوا : هم قالوا هاتوه يبقي اكيد فاسد وهو اه اللي نزلوا اصلا يستاهل

شعر طويل : علمتوا الناس الضعف والخنوع بكلمة "هو ايه اللي نزلوا" ..زي ما قولتوا علي "ست البنات" والمواطن المسحول ..دلوقتي غلطة المسحول دايما مش اللي سحل لانه ايه اللي نزلوا..

هم قالوا : هم قالوا علي القناة بتاعة الشيخ ايه اللي نزلوا..صحيح ايه اللي نزلوا ؟

شعر طويل : نفسي تفهم انت واللي زيك ان اللي نزلوا حقه وحق البلد..نازل عشان مصر اللي حلم بيها سنين طويلة..نازل عشان حلمه وحلمك هو مش اناني في حلمه ..الحلم بتاعنا كلنا لكن انت هتفضل تقول هم قالوا هم قالوا ودي من الكلمات اللي موديانا في ستين داهية لانك سلفت عقلك لغيرك

حقي : سيبوني يا ظلمة..فين حقي وحق البلد


وفجأة تتصاعد روائح قنابل مسيلة للدموع في وسط الاعتصام ويسقط "دقن الخير"  ويحمله مسرعا "شعر طويل" في محاولة لانقاذه ويخرج به من المكان ويسقط علي الارض "هم قالوا قائلا :هم قالوا مش هيضربوا قنابل..واللهي قالوا..واللهي قالوا..دول ضحوا عليا ااااااه


ويسقط الشيوخ والعواجيز الواحد تلو الاخر وتخرج من عبائتهم دولة جديدة من شباب مختلفين متناحرين كل في اتجاه عكس اتجاه الحق الاجباري..كل عند منعطف الطريق يكفر بوجهة نظر الاخر ويسلط طريق عكسه وعكس اتجاه الامنيات والاحلام للبلاد..


ويظل السؤال بعد سنوات كما كان :  "كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟"
كيف تسقط دولة العواجيز كما قال الشيخ اذا كان شبابها عواجيز في أحلامهم وعواجيز في اختلافهم وحنقهم وغضبهم وعواجيز في محاولات اصلاحهم وعجوزة هي احلامهم وطموحاتهم..
الجوهر ام المظهر ؟؟
دقن ام شعر طويل ؟
كرش ام زهد ؟؟
دولة عواجيز ضعيفة او دولة شباب عاجزة ؟
وضع قائم ؟ ام قيام وضع اضعف ؟؟
ما الحل اذا ..؟؟


وتظل الصورة الختامية ضبابية غريبة احيانا يعتريها لمسات من الامل..
شعر طويل يحمل دقن الخير عل كتفه ويحاول الخروج من سيل القنابل وسط صراخ "حقي" وتساقط بعض الروتين المتمثل في "عواجيز الحكومة"
محاولة وفاق وتوافق وسط القنابل افضل من الاختلاف وسط القاعات الهادئة المكيفة
لا نعرف تحديدا متي يكتمل التوافق في ظروف اكثر ملائمة..ومصر اكثر جمالا واملا ..

من المخطأ..لن نعرف أبدا..ولكن المهم ان نضع ايدينا علي حقيقة ان الخطأ موجود والخلاف وضع قائم..
نريد مصر ليس بجوهر "شعر طويل"  ولا بمظهر "دقن الخير"
نريد مصر مظهرا وجوهر..
نريد مصر طريق..ووصول
نريدها محاولة واكتمال
نريدها اختلاف في طريقة الحل لا ان نجعل الحل هو الاختلاف..
اعيدوا الينا مصر يا سادة كل الأطياف والاتجاهات والمذاهب ..
اعيدوها سالمة..

Friday, March 29, 2013

أمنيات في بئر مسعود..قصة قصيرة








""سوف ألقاك حياة
في زمن ميت الأنفاس ممسوخ الرفات
سوف ألاقاك عبيرا بين يأس الناس
عذب الأمنيات
دائما أنت بقلبي
رغم أن الأرض ماتت
رغم أن الحلم.. مات
ربما ألقاك يوما في دموع الكلمات!!""



فاروق جويدة





الأنانية في الحب لعنة حتي ولو علي بعد أمتار من بئر أمنيات..
لماذا تتحقق أمنيك؟
ولماذا تتحقق أمنيتها
اذا كانت أمانيكم لا تحقق ذات الحب ؟

هذه الجملة قالها الجد سالم الذي يبلغ من العمر ثمانين سنة لحفيده الأصغر عمر الشاب العشريني الذي طالما جلس مع جده ليسمع منه عذب ذكرياته وعذابها ويقرأ دفتر مذكراته الذي عاش حبيس الادراج لسنوات طويلة كما السجين لا يؤنسه سوي صوت المفتاح الذي يفتح الادراج وكأنه يقول للأوراق بلهجة عامية "كفارة"..

سأل عمر وهو يقلب أوراق الدفتر بلهفة وحماس : امتي كتبت الكلام ده يا جدو ؟

سالم يأخذ الدفتر ويلقي نظرة فاحصة : وريني كده

عمر : دي ..السطور دي بالذات..ايه قصتها ؟؟

سالم : يا ..يا عمر دي حكاية عمرها يجي خمسين سنة

عمر : وهي الحكايات ليها عمر يا جدو..طول عمرك بتقولي حكايات الحب ملهاش حاضر ولا ماضي ملهاش عمر ولا بتعترف بالزمن طول عمرها في عنينا حاضرة وفي قلوبنا نور لمستقبل جديد

سالم : أجمل من نقش الحنة علي كف البنات

عمر : وأجمل من نقش الحنة علي كف البنات

سالم : احكيلك يا سيدي وامري لله ما انا مش هاخلص منك

عمر: بالتفصيل يا جدي عشان خاطري..احكيلي كل الحكاية

سالم : اه انت كده نسيت انا قولتلك ايه كمان عن حواديت الحب

عمر : قولتلي ان ممكن سطر منها ما يتوصفش بكلام مليون سنة..بس احكيلي علي قد ما يقدرك قلبك ..احكيلي اللي ينفع يتوصف وسيب اللي يتحس ونس بيه قلبك ..

سالم : حاضر يا سيدي..انا هاجيبلك الدفتر من جوة واقرالك بالظبط كتبت ايه يومها بالتفصيل

عمر : اتفضل يا جدو

سالم : اسمع يا سي عمر القصة دي كتبتها في نفس اليوم اللي كتبت فيه السطور اللي سالتني عنها :


لم يكن اليوم كمثل باقي الأيام..الشمس تشرق من نفس المكان وتغرب في نفس مكانها المعتاد ولكن الشروق والغروب في قلب العاشق تتغير مواضعهما حسب نية الهجر والفراق..
هربت كما هرب "تيمون الأثيني" في مسرحية شكسبير من العالم وظلمه وغرائب فعله وقسوة أحكامه..هربت هروب المنفي بإختياره والمعزول بحكم قلبه من مرارة الهجر الذي ما لمس نبض إلا شانه..
تسألني الأن ولماذا حدث الهجر وتمددت مقاصل القطيعة ؟..إسأل كل من هجر وكل من فارق ولن تجد تفسيرا ولا سببا ..
انه يوم الفراق الذي لن تجد له معقول ولا دليل عقلي ولا منقول..
انه يوم الفراق الطويل الغريب الذي وصفه الشاعر أبو تمام وقال :
يومَ الفراق لقدْ خلقتَ طويلا    لم تُبقِ لي جلداً ولا معقولا


يوم الفراق اليوم الذي احتار فيه الشعراء وبكت علي نحيبه الأوتار والأغنيات وتصاعدت مع شهقته شهقات البشر لسبع سموات طباقا وذرفت من أجله الدموع واحترقت فيه اجساد الشموع

ومازال الكل يسأل ولماذا حدث الفراق ؟ أهو القدر فقط ؟ أم هو حب لم يكتمل عوده من بعد جذره الضارب في كياننا ؟
هل الفراق حب لم يكتمل ؟ أم حب مات من فرط إكتماله ؟
هل الفراق يتشابه مع الحب في انه يأتي في لحظة ؟ أم ان الحب لحظة بينما الفراق أشجان عمر ؟
هل يصبح البشر مثل السيجارة في ايادي كيوبيد ؟ يشعل اجسادنا حتي النهاية بالحب ويطفأنا في المطفأة بالفراق ليكسر فينا البقايا ؟؟
ولو كان الحب لعبة كما يقول البعض ..فهل الطفل الذي يلعب بنا هو الهجر والفراق ؟؟ يكسرنا في لحظة تهور وصرخة مرح ؟
هل الموت أرفق بنا من الفراق..؟ لأن الموت نهاية طريق بينما الفراق رحلة غربة للبحث عن نهاية سعيدة
وهل الفراق كما "جهاز كشف الحب" فإن كان حبك كاذبا أخذك الفراق الي مقاصله البغيضة ؟
هل الحب دموع بينما الفراق نحيب ؟ وكم هي صعبة لحظات النحيب فالعين تبكي الدمع بينما الأرواح هي من تنتحب..
هل الفراق رحلة في فلسفة نفوسنا لأنها تجعل من القدر شفافا وعذبا فمهما كان عذابه بعد الفراق سيكون هينا ..
هل الدموع تسجد للفراق ؟ فان لم يجد الفراق دموعك صادقة  احتلك واسقط راية الحياة فيك ؟
الله يعرف اننا ضعفاء ..فهل خلق الفراق ليؤكد لنا ذلك ام اننا خلقنا الفراق بأيدينا ؟


في هذا اليوم ذهبت الي الاسكندرية وجلست طويلا بجوار "بئر مسعود" ..هذا المكان الغريب الذي يحكي ويحكي عنه الكثير من القصص والاساطير ثم وضعت السماعة في اذني لاسمع اغنية
Yesterday

الكثير من المطربين غنوا هذه الاغنية ولكن افضلهم بالطبع وعلي الاطلاق
the beatles

توقفت قليلا اعيد نفس المقطع من الاغنية الذي يقول
suddenly, I'm not half the man I used to be
There's a shadow hanging over me.
Oh, yesterday came suddenly.
Why she had to go I don't know she wouldn't say


جلست كما عادة العشاق بعد الفراق في جلسة اعادة ترتيب الكون..وهي الجلسة التي يعرفها كل من عاش قصة حب اعقبها وحش الهجر بطعنات محكمة وصارخة..
جلسة ترتيب مواضع النجوم وقوة تدافع الامواج واثار الاقدام علي الطرقات ..تشعر انك المتحكم الاول في الكون بعد خالقه وهذا ليس من فرط قوتك في هذا الوقت بل من فرط ضعفك ومحاولة اثبات
شئ لنفسك لا تبوح به لأحد..
وكأنك تقول لنفسك مازلت أحيا ..انا هنا ايها العالم مازلت أعيش واتحكم وأقرر..سأفرق الامواج عن بحرها وافرق القمر عن ضيائه وافرق الشمس عن نورها ..اصابتني لعنة الفراق نعم ولكنني الأن أقوي..أنني الفراق بنفسه ..حاضر بصفته وشخصه..
وكان الفراق كان كما رأينا في الحكايات الخيالية "عضة مصاص دماء" ربما اصابتني العضة في رقبتي ولكنها حولتني الي نفس الشئ..نفس المسخ ونفس الوحش..احذر ايها الكون فانا اليوم الفراق نفسه او تجسيدا للفراق في صورة انسان او احد "الزومبي" الذي يسير حول مقابر الحب ..فاحذروا مني..واحذر مني ايها العالم الغريب..


في هذا الوقت رأيت رجلا لا أعرفه ولكني أحسست فيه بألفة ..رجل عجوز بجلباب أبيض تتمزق بعض أطرافه بفعل عوامل تعرية الفقر والحرمان ولكن تري في وجهه الحكمة او الخوف ايهما أقرب..
اقترب مني الرجل كي يبدأ احدي أحاديث الغرباء وقال : مالك يا ابني ؟ شايل هم الدنيا ليه فوق راسك ؟

قلت : هي الدنيا اللي حطت همها مش انا اللي شلته

قال :  ومجربتش بير مسعود ؟

قلت : شوف يا حاج انا جيت المكان ده عشان استجم شوية وانسي الهم ولكن مبصدقش حكاية البير ده ؟ ولا بصدق في السحر ؟

قال : ده مش سحر ..دي امنيات بتتحقق

قلت : طيب مين اللي يحقق الاماني غير ربنا او ساحر

قال: ممكن الوهم وممكن ارادتنا

قلت : وازاي الوهم بيحقق امنيات ؟

قال : زي مريض بيوهمه الدكتور انه خف ويصدق وممكن كمان يصيبه المرض لو خاف منه خوف مرضي

قلت : لكن ازاي البير هيوهمني انه هيرجعلي حياتي ؟ ياريته كان وهم ياريته

قال : جرب ومش هتخسر حاجة بس صدق نفسك وصدق الامنية اللي بتقولها


حينها امسكت قطعة نقدية ثم التفت الي الرجل فلم أجده ولكني حاولت وقلت لما لا ..لندعها تجربة مثل باقي التجارب سواء اصبت او فشلت يكفيني شرف المحاولة او يكفيني شرف الفشل..
القيت العملة في البئر وتمنيت امنية واحدة ان يجمعنا الزمن مرة أخري..
لا أعرف ان اصبت أم أخطئت ولكني تمنيت كما قال لي الرجل الذي اختفي في لحظة وذهبت الي غرفتي في هذا اليوم لمقابلة صديق وقال لي : كنت فين ؟

قلت : كنت عند بير مسعود

قال : انت مش قولت مبتصدقش الحاجات دي ؟

قلت: ولكن الواحد بيشوف كتير اساطير وخرافات بس كان نفسي اكون جزء منها

قال : واتمنيت ايه ياتري ؟

قلت : هاقولك بعدين


ومرت الأيام وذهبت الي بئر مسعود مرة اخري ..ولكن ويحي ماذا أري..أهي بنفسها ؟ بجنونها وحسنها وطلتها المسحورة المعتادة عند ملك الجان ؟
أهي الأساطير تتحقق من وجع الفراق وكربه ؟
ماذا تفعلين أيتها الجميلة ؟ أتلقين بالعملة في البئر كما ألقيتي بقلبي في بئر الحب كأمنية تلاشت ؟
هل انا مجرد عملة القي بها الزمان في بئر امنياته الجاحدة ؟ أم ألقيتي انتي بها ؟
تري ماذا تتمني هي الأن..سأذهب اليها..لا لا ..لقد حقق البئر أمنيتي ولكن سأنظر فقط من بعيد..
انها تهمس للعملة ..انها تصدق بالأساطير والأوهام..فلماذا لم تصدقني اذا وتصدق اسطورة قلبي وخرافاته ؟

شكرا أيها البئر الوحيد مثلي ..يا من تحقق أمنيات الخائفين دون ان يدركوا قاع خوفك ووحدتك
شكرا ايها البئر يا من تتلقي ضرباتهم بعملاتهم المعدنية كأسواط الجلاد ولا تتألم بل تغفر..
تعلمت منك الغفران أيها البئر ..
هم يوجعونك وانت تسامح وتحقق امانيهم..
يأتونك خائفين وتردهم سعداء بنشوتهم ..
ولكن قل لي بالله عليك..كم تمنوا وتمنوا أمنيات حولك ولكن حينما رأيت حبيبتي..ألم تتمني أنت اليوم ؟
ألم تتمني لو كنت بشريا ودب الله فيك الحياة لتباركها بنظرة من لمعة تلك العين القاتلة الصامتة كما مرض فتاك ؟
ألم تتمني ان تصبح بشريا ولو مت أمام رموشها بنوبة عشقية حادة ؟
والأن صارحني أيها البئر ..قل لي بكل صراحتك المعهودة..هل ستحقق لها الأماني أم أنك اليوم حققت أمنيتك برؤية خلاصة أماني الناس أمام عينيك ؟؟
أه ..يا ويلي..أحترم عذابك ولكن قل لي بالله عليك..هل لك قلب يتعذب أم تتمني من الله أن يهبك قلب ولو حتي احترق قلبك في دقائق أمام لفح الهواء المحيط ببركان جمالها وبركاته ؟؟

خرجت من أمام البئر بعد ان ألقت بأمنيتها في بطن البئر المسكين العاشق مثلي..تجري كما المجنونة..عاهدتها مجنونة وغريبة الاطوار ومتغيرة ومتقلبة كما الموج ولكن ماذا يفعل البحر في تقلب موجاته اذا كنت انا البحر نفسه واعشق تقلبها كصفحات فوق قلبي وذاتي
عاهدتها تتحرك سريعا تختفي سريعا ولكن اليوم رأيتها في اغرب حالة لها وهي تجري بجنون ولكن هل ستترك لي علامة ؟ هل ستسقط حذائها مثل القصص ام تصدمها سيارة وانقذها كما الأفلام ام لا شئ قدري سيحدث في تلك اللحظة وستكمل الجري ؟

اختفت تماما من المشهد ..واختفيت انا ايضا وانزلت عليه الستار لمحاولة التفكير في غدي وكيف سأراها لاحقا ..
بعد شهور طويلة ذهبت أبحث عن عنوانها ولم يستدل عليه لانهم تركوا المكان منذ فترة..كانت اخر مرة ذهبت فيه الي البئر وكأنها تقول له "اتمني ان يعثر هو علي فأنا سأذهب بعيدا جدا"
فرقتنا السنين والأيام ولم اعرف أي لعنة صبها علي البئر بعد ان جعلني أصدقه واصدق انه سيجمعني بها واراها مرة اخري

ومنذ هذا اليوم وتغيرت حالتي وحققت احلامي الحلم تلو الاخر وذهبت الي بئر مسعود وكأني أسأله واعرف الاجابة مسبقا "هل جائت اليك وتمنت ان احقق كل ما احلم به ؟"
أهذا هو ما تمنت هي ؟؟  ولكن أين هي الأن من يدلني علي مكانها ؟
رأيت الرجل العجوز مرة أخري وقال لي : حلمك لم يتحقق..لأنك تمنيت بأقل مما يجب ؟

قلت : الحلم هو الحلم.. هذا البئر كاذب

قال: انت تعلم انه لم يكذب لقد تمنيت ان تراها ورأيتها وهي تمنت ان تحقق احلامك وحققتها دون حلمك الخاص بها لأنك زهدت فيه

قلت: وكيف زهدت في حلمي

قال : لقد تمنيت فقط ان تراها ولم تقل "اتمني ان تجمعني معها الي الابد..اتمني لو احتضننا الحب والموت أخرجنا من كتب الفراق والهجر"
وهي قالت " اتمني ان يحقق حلمه" 
ولم تقل "اتمني ان أصبح كل احلامه وأمانيه"

قلت : وهل غضب الحلم منا ؟

قال : غضب البئر محقق الأمنيات انما الأحلام لا تغضب وانما قد تتواري في مكان بعيد في قلبك لا تدركه الي ان تحين لحظة انفجار حلم جديدة ..
الأحلام لا تموت أبدا ولكن احيانا تموت ارادتنا وسعينا في البحث عنها..


قلت : ولكني تمنيت بصدق

قال : الأمنيات لا تحتاج صدقك بل تحتاج صراخك ورغبتك..
كما يعلمك بئر الامنيات ان تسقط العملة لأسفل كي يخرج الحلم لأعلي..
تنازل وانحني امام الحلم حتي اذا ما وجد الحلم فيك ضعف ورغبة خرجت من انكسارك حقق فيك ما نقص واصلح فيك ما كسر..
انكم تهمسون للعملة ولا تهمسون لقلوبكم وايمانكم بحلمكم !!
تهمسون للبئر ولا تهمسون للكون ولا تتحدثون لغته الحالمة..
لا تخافوا من الامنيات ولكن انحنوا امامها احتراما واجلالا ..
اجعلوا من قلوبكم بوابة مسحورة للحلم لا تفتح الا اذا رددت كلمة السر وهي البكاء والألم والرغبة الصادقة الجامحة في تحقيق الحلم..
اجعل الحلم كما عشيقتك فكر فيه كل دقيقة وقل لنفسك المثل بطريقة اخري "البعيد عن الحلم بعيد عن العين"
زين السماء بالامنيات فحتي اذا لم تستطع تحقيق بعضها فيكفي استقبال السماء لروح حلم مقتول كما "استقبال الفاتحين"  او "استقبال العاشقين" !!


قلت : من انت ايها الرجل..؟ انت ايماني ام انت روح هذا البئر وتجسيد له في هيئة بشري ؟
قل لي من انت

قال : انا فرصتك الثانية

قلت : وما العلاقة بين الفرصة والحلم ؟

قال : الحلم فرصة علي وشك الولادة

قلت : وماذا ان لم تتكرر الفرصة

قال : الفرصة حالة تكرار دائم كما هذا الكون وكما نبض قلوبكم وجنون اشتياقكم
ولكن موت الفرصة هو حالة العمي التي تصيب قلوبكم عن تكرارها بجملة يائسة تقولون فيها "ضاعت الفرصة"
والفرص لا تضيع فالحلم كما قلت لك جنين الفرصة وحتي الاحلام الضائعة تحاول ان تبحث فيكم عن تكرار الفرص وتحاول البحث عن أمها المفقودة الفرصة..


قلت : سأحاول مرة اخري مع هذا البئر ..ساحاول ان اشعل شموع روحي لصلاة حلم وأمل..


وحلمت شهور وشهور حتي رد علي البئر في ليلة ممطرة عاصفة بطرحة بيضاء..
فزعت وقصف البئر في قلبي الرعب حينما رأيت طرحة زفاف بيضاء تطير في وجهي..
لا أعرف هل هي طرحة زفافها ام طرحة حلم جديد يزف الي قلبي ؟
اي اشارة يعطيها لي الكون ؟ في تلك القصة الي ماذا ترمز تلك الطرحة البيضاء الحزينة ؟
ولماذا هي طرحة هشة تحترق في يدي تحت المطر وبين العواصف والامواج العاتية ؟



عمر : وياتري الطرحة دي طلعت ايه يا جدو ؟

سالم : الطرحة دي كانت اشبه بحالات التجلي زي تجلي السيدة مريم

عمر : يعني ممسكتهاش بايدك فعلا ؟

سالم : حسيت انها بين ايدي لكن اما وقف المطر مشوفتش حاجة منها ولا أثر

عمر : ومشوفتهاش تاني ؟

سالم : وكأني في كل زيارة لبير سالم كنت بشوف وشها هناك وهي بتجري وبتهرب

عمر : لكن مين الراجل اللي كان بيكلمك عند البير ؟

سالم : لحد دلوقتي معرفش ولكن كنت بشوفه كتير ممكن يكون تجسيد لحلم جوايا او تجسيد للبير نفسه
الصدق يا عمر بيجسد الأمنيات

عمر : وراحت فين هي دلوقتي ؟

سالم : للون الأبيض يا عمر احنا الاتنين في اللون الابيض من زمان

عمر : لون ابيض ؟

سالم : زي اي اتنين بيفترقوا..
هتروح هي للوح الطرحة الابيض وعليها دمعة فراق
ويروح العاشق للون كفن حزنه الابيض وعليه نفس الدمعة
احنا الاتنين في حالة جنون اللون الابيض


وبعد سنوات من وفاة الجد سالم ظل عمر يزور نفس المكان ..ويلقي العملات في بير مسعود ويقول لأصدقائه : "شامم ريحة الحب في البير ده ..ريحة قديمة واصيلة من ايام جدو.."
ويظل البير مسرحا للعملات الصريعة والقلوب العاشقة ..
ولا زالت الطرحة البيضاء في لحظات تجلي لبعض القلوب الصادقة المحبة..

Saturday, March 23, 2013

انتحـار زهـرة في يد فيلـسوف






" تصبح العيون يتيمة حين يموت علي ضفاف رموشها الأب الروحي لها وهو الجمال أو التعمق في فلسفته"




أغلقت كتاب ووضعته علي المنضدة ثم قلت لها : غريبة هي الكلمات حين تكون عيوننا مجرد عابر سبيل وحبيبة هي الكلمات حين نقرأها بعيون دامعة وقلب شاعر ..

قالت : اذا فأنا غريبة وحبيبة..
غريبة حين أقرأ في عينيك نظرة لإمرأة أخري فحينها أكون كعابرة سبيل وأحاول أن أهرب من تلك اللحظة..
وحبيبة حين أقرأ في عينيك أبجديات لهفتك فحينها يتملكني الخجل وأكون كما يقولون "في نص رموشي" !!

قلت : سأروي لكي قصة غريبة

قالت : أنت قصتي الأغرب

قلت : ألف ليلة وليلة ؟

قالت : رغم روعتها الا انك لن تكون ابدا ألف ليلة وليلة ..
فأنت في قلبي "ألف نهار ونهار"

قلت : ولماذا تظلمين الليل مع انه شاهد الحب الأول  ..كانت فدوي طوقان تتحدث عنه وتقول :

هو الليل يا قلب ، فانشر شراعك ، و اعبر خضّم الظلام العميق
وجدف بأوهامك الراعشات في زورق ما به من رفيق

قالت : كل قصائد الليل حزينة وأنت لن تكون ليلي فالبداية نهار والجمال في النهار والأمل في النهار وأنت نهاري وفجر عمري

قلت : النهار في عيني مجرد ساعات ذكري لروعة حلم في ليل سابق
مجرد ساعات تنفيذ لأمل ظهرت بوادره تحت ضوء القمر
الليل هجرة خيال في غياهب العالم والنهار وطن
وما أجمل ساعات هجرة الخيال في دياجير الظلام ..
فالقمر يغني للعشاق والشمس ساعات انتظار لأغنية قادمة ..فأنتي ليلي الحالم وأمنية كساها القمر ..

قالت : وهل ستحكي قصتك عن ليل أم نهار ؟

قلت : بل عن زهرة وحيدة..

قالت : تعشق حكايات الازهار

قلت : كما يقولون "من عاشر القوم"
وانا أعشق إمرأة تتمني الأزهار لو كانت قطرة ندي تقبل جذورها كل صباح ..

قالت : كلي نبضات صاغية فاروي لي قصتك ..

قلت : كان يا ما كان يا عشق يا اكرام :

عندما خلقت الزهور وحيدة في هذا العالم لم ترهبها الوحدة..فالزهور تعرف دائما ما يخفي لها القدر..وقد عرفت من سيؤنس وحدتها ولو بعد حين..
فقد نادت الزهور بعد سنوات من الوحدة علي فيلسوف وعاشق ورسام وقالت : من سأري الصدق في عينيه سأدعه يقطفني فأنا أول زهرة مسحورة خلقها الله علي الأرض..

قال الفيلسوف : ولكن الله خلق كل لكل شئ سحره ولم أعلم قط أن السحر له أول من أخر..

الزهرة : ولماذا لم تسألني كيف يكون قطفي وموتي مكافأة لصدقكم..كيف يكون الموت مكافأة للصدق..

الفيلسوف : في هذا العالم لم أتعود أن أسأل بل أن أتأمل ..وكيف أتعجب في عالم يعيش علي كرة تتأرجح في مجرة وعلي كتفي الأيمن ملاك وعلي الأيسر أخر ..وأمامي زهرة تعدني بقطفها
وكيف أتعجب وأسأل وانا قد رأيت كثيرا الموت كمكافأة للصدق ..فكم من زوجات خائنات مات أزواجهن كمدا برغم انهم لم يمنحوهن الا الصدق والحب..
وكم من صديق خان صديقه رغم أن الصداقة عهد أبدي وليست عقد أبدي فالعهود أصدق أحيانا من ألف عقد..
وكم من إبن خرج من صلب أمه لتحني له عودها وتمهد له الطريق وحين يكبر ويختار تصبح حرية اختياره طوق من نار وتغرقهما معا في دوامة الحياة ..
فكيف أتعجب وأسأل فالحياة لا أجدها مجالا للأسئلة بل حيزا كبيرا للدهشة..فلو كانت الحياة رجلا فأنا أظن ان صورته ستكون علي هيئة رجل يضرب كفا بكف من عجائب البشر وطباعهم..


الزهرة : أري نبرة من الحزن في صوتك أم هو اليأس..؟

الرسام : أه حسنا..دعيني أرسم تلك النظرة علي وجهه فقد رأيت في وجهه حزن يحضن الفرح والألم كأنه لوحة الموناليزا

العاشق : كأنه الحب اذا..فالحب يجعل من قلوبنا كما لوحة الموناليزا

الزهرة : الأن الصراع يشتد بينكم..ولكن دعوني أسأل كيف يراني كل منكم ؟

الفيلسوف : أراك حس الله الجمالي الذي ابدع في كل شئ خلقه ..اظن الله قد خلق الزهور لكي نري الحكمة مجسدة في عبيرها..
كما خلق الحب لكي نري الحكمة مجسدة في مشاعرنا حين نعشق
او خلق النساء لكي نري الحكمة مجسدة في ضعفنا امام البراءة..
او خلق الانسان لكي نري الحكمة في صراع خيره وشره
انها نظرية "المنبع والمصب"..فالبعض قد يقول انظر لهذا النهر سبحان الله اتري منبعه الرائع والبعض يقول سبحان الله انظر لمصب النهر وكيف يعرف طريقه..
وان كانت العظمة في منبع الحياة فالروعة في ان نري ما ستكون عليه..

الرسام : أما انا أراك لوحة فنية خلقها الله لكي تخلد فان ضاع جسدها الفاني بقي ذكرها الخالد..
وان ضاعت ملامحها بعصف رياح بقت صورتها بعصف ألوان..
وان ضاع نبض الحياة فيها بقي المعني..
وما أجمل ان يبقي المعني وان ماتت الكلمة نفسها..


الزهرة : وما رأيك أنت ؟

العاشق : ألا تري في عيناي شئ ما ؟

الزهرة: لا اعرف ..ولكني أري فيهما رغبة في اغتيالي..

العاشق : هل كما قال الشاعر ستقبلين اليد التي تغتال ؟

الزهرة : لن أدعك تقتلني

العاشق: ألم تقولي ان هديتك لنا قطفك ؟

الزهرة : بإرادتي

العاشق : ولكنه يعني انتحار

الزهرة : انها نهاية سعيدة وانا التي اختارها بينما نهاية الانتحار ليست سعيدة

العاشق : لا اعترف بالنهايات السعيدة فالنهاية هي النهاية

الزهرة : ولماذا تريد اغتيالي ؟

العاشق : أنتقم من شخص البراءة

الزهرة : وهل أذلك ؟

العاشق :  ألا تسمعين دائما قولهم ان للعذاب ألوان

الزهرة : وكيف كان لونك أيها العاشق ؟ كيف كنت وكيف أصبحت ؟

العاشق : لوني الأبيض..حين تطل علي روحي بفاكهة من عينيها لا مقطوعة ولا ممنوعة..
لوني الأزرق..حين تعكس لحظات صفائي في نهر أنوثة يغزلني كموجة دافقة من المهد الي اللحد..
لوني الأخضر..حين تجعلني أول أمل وأخر حلم وما بينهما لحظات لا أعرف لها "اول من أخر"

الزهرة : واللون الأسود ؟

قال الفيلسوف مقاطعا : عذرا أيتها الزهرة ولكنك تتركين من يريد رسمك ومن يحسن وصفك وتذهبين لعاشق يريد قتلك
لاأري أي حياد فيما يحدث وأظنك حسمتي الأمر مسبقا ..

الزهرة : الرسام مشغول برسمي وأنت مشغول بوصفي

العاشق : وانا مشغول بمن سأقتلك من أجلها..

الفيلسوف : عاشق كنيته الحزن ورسمه الألم

العاشق : فيلسوف كنيته المبالغة ورسمه بضعة حروف

الفيلسوف : أنا مبالغ ؟ أنتم العشاق أسياد المبالغة ..تكفي كلماتكم الشهيرة التي تذهب حتي عقول الفلاسفة

العاشق : أي كلمات تحديدا تقصدها ؟

الفيلسوف : كل عاشق منكم له كلمات غريبة يصف بها إحساسه مثل :

"انا حاسس اني طاير"
"حاسس اني قابلتك قبل كده"
"حاسس ان ده يوم ميلادي"
"حاسس اني حبيتك قبل ما اتولد"

أي جنون هذا ؟؟ وتقول عني فيلسوف مبالغ ؟؟

العاشق : الحب لعبة مشاعر بينما فلسفتك لعبة حروف وترتيب أفكار
الحب قتال سلام النبضة والنبضة بينما الفلسفة صراع الفكرة بالفكرة
انا السلام وانت القتال فمن منا يستحق زهرة بالله عليك ؟؟

الزهرة : ولماذا لم ترد علي سؤاله في كلماتكم الغريبة ايها العشاق

العاشق : هي لكم كلمات غريبة بينما في قلوبنا قريبة
في لحظة الحب يعمينا كيوبيد بأجنحته فتخرج منك عفويا جملة "حاسس اني طاير"
في لحظة الحب نعود لفكرة واسطورة قديمة تقول ان البشر انشطروا نصفين ومازال كل نصف يبحث عن الأخر ومقدر له ولهذا نقول "حاسس اني قابلتك قبل كده"
في لحظة الحب لا تعرف يومك ولا اصلك ولا وطنك فتخرج منك تلقائيا جملة "حاسس ان ده يوم ميلادي"

هي لكم عبارات خيالية بينما للعاشقين الخيال أرض الواقع .


الرسام : وجهه ينضح بالصدق انتظر قليلا كي أرسم تلك اللحظة ..

الفيلسوف : اظن الرسام مشغول دائما بلوحته فالصراع سيكون بيني وبين العاشق أيتها الزهرة الخلابة

العاشق : الجمال في عقلك نظرية أيها الفيلسوف بينما الجمال في قلبي لغة
الجمال في عينيك عبارات تتشدق بها وانت تدخن غليونك بينما الجمال في عيوني تناسق دمعي مع لغة الكون
الجمال في قلبك حكمة بينما الجمال في قلبي فضيلة
هل عرفت الأن لماذا استحق الزهرة ؟

الزهرة : ومن هذه التي تمر من هناك ؟
من التي خدرتني بروعتها وروعتني بخدرها الخجول الصريح ؟

العاشق : انها هي ايتها الزهرة..انها حبيبتي ..
هل عرفتي الأن لماذا استحقك أكثر من الفيلسوف ؟
هل عرفتي الأن لماذا أستحقك ايتها الزهرة المسحورة ؟
أحتاجك لاكمل بك زينتها واجعل من السحر لحظة خيلاء وغربة للملائكة



بكت الزهرة من هول جمال حبيبته..
وصدر الحكم..
كل ما فعله العاشق لم يشفع له في ان يأخذ الزهرة ..
واختارت ان يقطفها الفيلسوف



قالت : قصة غريبة جدا ولكن ما هذه النهاية ؟؟
هل انتهت القصة عند هذا الحد ؟؟
لم أفهم كيف لم يفز العاشق رغم روعة كلماته ومرور حبيبته الساحرة امام الزهرة ؟؟
كيف فاز الفيلسوف ؟؟


قال : هل تتشوقين للنهاية ؟؟

قالت : كشوقي الي لقائك


قال : في نهاية القصة سأل العاشق وهو يبكي ويصرخ : لماذا ايتها الزهرة ؟؟ اي ظلم هذا ؟؟

قالت : وماذا قالت له الزهرة ؟

قال : قالت الزهرة وهي تضع نفسها في يد الفيلسوف : "هذا الفيلسوف يحتاجني ليكمل عالمه فهو الأحق..
بينما انت ايها العاشق نظرة واحدة من حبيبتك التي رأيتها تكمل ألف عالم للزهور والبنفسج..
كيف تطلب سحري وكمالي ايها الطماع وانت تملك ما لا عين رات ولا خطر علي قلب بشر ؟


قالت : ياللعجب هذا يعني انتصار الفيلسوف في النهاية

قلت : سأزيدك من العجب بيت وأقول لكي ان الرسام هو الذي انتصر

قالت في دهشة : ماذا تقول ؟؟ وكيف هذا ؟؟

قلت : خلدت له ثلاثة لوحات وما اروعها حيرت العالم

قالت : أي لوحات ؟؟

قلت : رسم كل لحظة مرت في القصة وذاع صيت لوحاته التي سماها :
لوحة انتحار زهرة..  ولوحة انتصار فيلسوف  ..ولوحة كمال إمرأة..ولوحة هزيمة عاشق


قالت وهي تتنهد : ولو كنت انا في تلك القصة فماذا تريدني أن اكون ؟

قلت : أظنني الرسام الذي انتصر..وأنتي أجمل وأعظم وأكمل لوحاتي..!   


Friday, March 15, 2013

شطرنــج من غير ملــك..قصة قصيرة





"الستار مش هينزل عليا..أنا الملك..أنا الملك..الستار دايما بيقفل في وش المتفرجين انما انا ملك المسرح انا الملقن وانا الممثل وانا الدور وانا السيناريو..انتم مين..انتم مشاهدين"


هكذا انتهت قصتي هذه التي بين يديكم..أظن أن الفضول يدفعكم الأن لمتابعة السطور التالية لمعرفة ما قد حدث في البداية أليس كذلك ؟..هل تبحثون عن تسمية لما فعلته ؟؟ ربما ما سأقوم به في باقي القصة محاكيا بشكل او بأخر لتيار الوعي في الأدب هذا ما سيظهر في الحوار..وربما سيكون لو في عالم السينما مشابها لما يسمي ب
Chronological order

سيرفع الستار الأن..ولكن هل هذه قصة أم مسرحية ؟؟ أنا أكتبها وفي نيتي ان تكون قصة قصيرة ولكن حبي للمسرح سيدفعني إلي ...

مهلا مهلا..هل الكتابة بالنية ؟؟ قل لي تحديدا أيها المختل ما الذي تكتبه الأن ؟؟ قصة أم مسرحية ؟؟  لن أجيب وسأبدأ الأن وسأترك القارئ يختار نوع ما يقرأ..


لن اقول يرفع الستار وستجد في جانب المسرح اليمين عمود ضخم وشرفة رحبة ..لا اظنني سأكملها قصة أفضل..ولكنها مسرحية...يقول لي أحدهم الأن .."انت سكران يا عم انت؟؟"


تبدأ القصة في احد الكافيهات المنتشرة في قاهرة المعز وكما هو المشهد المعتاد مناضد مرصوصة وقلوب من رصاص قتلوا فيها البهجة والحبور لا عمل لا مال لا وظيفة لعدد من الشباب يتخلل هذا الاحساس حوار بين المطحون بطل القصة وصديقه "أمل" :

المطحون : تلعب شطرنج ؟

أمل : وهتلعب بالأبيض كنوع من التفاؤل ؟

المطحون : مافيش قطعة بتختار حركتها

أمل : هو انت قطعة ولا لاعب ؟

المطحون : مافيش غير لاعب واحد

أمل : ليه ما تلاعبوش ؟

المطحون : هيغلبني بعساكره والحصان والفيل

أمل : وانت ممكن تلحق ترقي العسكري بتاعك ؟

المطحون : بقولك ايه انا هاقوم أدور علي القطع الواقعة لان صاحب القهوة شكله ضيعهم كالعادة

أمل : بس كل القطع قدامي

المطحون : تمام بس فين الملك ؟؟

أمل : وهو حد بيشوف الملك ؟؟ الملك بيتشاف بأمره وبيختفي بأمره

المطحون : أنت يائس واسمك أمل ؟

أمل : اليأس والأمل في ايده

المطحون : فين الملك..كله يقوم يدور ع الملك انا عايز ألعب ..



وبعد عشرة أيام في زمن المطحون ويوم في زمن الملك وفي احد الشوارع صباحا :


المطحون : اديني الجرنان يا ابني

البائع : اتفضل يا بيه

سار المطحون علي قدميه كما هي العادة يفحص صفحات الجرائد بعين ناقدة وشفاه تتحرك وتتململ في سخرية وفي احدي الصفحات وقف مشدوها ينظر ولا يصدق جحيم ما يراه

المطحون لنفسه : أنا ؟؟؟؟؟ ازاي؟؟؟؟ايه الغلطة الحقيرة دي ؟؟؟؟


وجد المطحون نفسه في احدي الصفحات تحت عنوان "14 شهيدا في احداث الأمس امام قصر الملك" وقال متعجبا : أنا مت ؟؟ أنا استشهدت ؟؟؟ امال يعني مين اللي بيقرا الجرايد دلوقتي ؟؟ صحافة مسطولة صحيح


ذهب مسرعا الي مقر الجريدة لمقابلة الصحفي الذي نشر الخبر وقال : انت يا استاذ انت

الصحفي: انت بتتكلم كده ليه ؟ دي دخلة دي ؟

المطحون : وده خبر يعني ؟؟ بتموتني بالحيا ؟

الصحفي: يعني ايه الكلام ده

المطحون: يعني اسمي يا استاذ يا محترم انت كاتبه في اسامي الشهداء وانا حي ارزق مش تتأكدوا من معلوماتكم ؟؟ اما عجايب

الصحفي: وريني بطاقتك

المطحون : اهي يا اخويا اتفضل

الصحفي: شوف يا استاذ مين فينا المسطول انت اسمك "أمل محمد أمل" مش المطحون

المطحون: انت تعرف امل منين يا جدع انت ده صاحبي

الصحفي: صاحبك ؟؟ ده انت شكلك شارب بلوظة ..اسمك اهو يا محترم انما المطحون مات ماااااات افهم بقي وفوق اجيبلك قهوة ؟؟


كأن علي رأسه طير الرخ وليس الطير..كانه شرب الدهشة في زجاجة مسحورة لن يفيق منها ولو بعد حين..عن أي شئ يتحدث هذا الصحفي المخبول ؟؟ ولكن ..ولكن من اين جائت بطاقة أمل وكيف لا يكون هو نفسه المطحون ؟؟ هل فقد هويته ؟؟ هل كان عمره حلما ؟؟ وكيف يكون هو امل وهو يعيش مطحون ويائس ؟؟

حاول ان يأخذ أول موقف في حياته منذ ان حكم الملك الذي قتل المواقف واصحابها..فالملك يحكم والناس تشكو..الملك يرسم الموقف والناس تعيشه..الملك يغتال الفضيلة والناس تبحث عن جثتها بإسم المبادئ والقيم..
الملك يشرب كأسه الناعمة والناس تتجرع مرارة بقايا الكأس..

ذهب المطحون باحثا عن هويته عن تاريخ عن محل ميلاده في احدي الهيئات الحكومية :

المطحون : ايوه يا استاذ شوفتني في الكشف ؟؟

الموظف: ايوه يا استاذ..وعليك علامة اكس..انت مش المفروض مت خلاص ؟

المطحون : انت غبي؟ يعني ايه واحد قدامك تقوله المفروض مت الملافظ سعد يا عم انت

الموظف: انت علي صفحتك ختم ملكي..

المطحون: يعني اترقيت ؟؟

الموظف: يعني انت "أمل" عيش بالأمل وغني وافرح لأن اليأس وحش..اليأس ممكن يكون ثورة

المطحون : طيب ما الثورة أمل

الموظف: ايوه بس بدايتها ايه ؟؟ يأس..عشان كده محينا سجلك وخليناك امل ..ضحكنا عليك بزيادة كام ملطوش عشان يبقي عندك شوية أمل..بنضلمها عليك ونديلك بصيص نور يمكن يبقي عندك أمل..بنكحلك بكحل الأمل بس بنزوده عشان نعميك ..انت لسه مش فاهم الملك ؟؟

المطحون : طيب وانت ليه في المنظومة دي ؟؟ انت فاسد زيهم ولا مطحون زيي انا ؟

الموظف : انا مش مطحون انا متحنط .. انا تمثال رخام نقشوه بوساختهم بيخلدوا فيا صورة لطمعهم وجشعهم اللي اصبح اله ليهم..ظي ما كان في زمان في الاساطير الهة للجمال دلوقتي الملك بيعمل لنفسه اله وبيسميه اله الطمع واله الجشع واله الفساد..بينفصم بنفسه الي نص ملك ونص اله..

المطحون : انت عارف ده وساكت ؟؟ انا عايز اقابل الملك

الموظف ساخرا :  اه..طيب ابقي سلملي عليه..ده انا هنا بقالي سنين وسنين وعمري ما شفت الملك بسمع عنه بس

المطحون : بس انا لازم اقابله لازم اعرف عايز مننا ايه..انا بتكلم باسم الشعب باسم الشعب يا عالم ..باسم العدالة والحق ..العدالة اللي بقت عمياء خرساء ومبتتكلمش كمان.. فوقوا يا ناس فوقوا الملك بيقتلكم كل يوم بسلطانه وسلطته ..بنفوذه وحاشيته ..بجبروته وقوته



بعد سنوات طويلة جدا امام القصر ..

الملك : أهلي وعشيرتي..لقد مررنا بظروف عصيبة و..

يقاطعه المطحون : اه اخيرا لقيتك..اخيرا وقعت في ايدي


كانت الملايين امام القصر بعد خمسة ثورات جياع وقمع وذل وهوان طوال اعوام تتبدل علي البلاد الملوك من نفس العشيرة باستخدام كل وسائل التزوير والنجاسة السياسية.. وكان الملك يخطب في شعبه من داخل القصر ولكن المطحون تسرب الي داخل القصر في خضم الأحداث

الملك : أمسكوه

المطحون : هم مين ؟؟ كلهم هربوا خلاص ..عاش الملك مات الملك زي ما بيقولوا وانت مت خلاص

الملك : انا مش بموت انا بتتغير صورتي بس..احفظ الجملة دي..انا مش بموت انا بتتغير صورتي بس

المطحون : وانا ؟؟ صورتي ايه في عينك ؟؟

الملك : انا بغير صورتك..من يائس ومطحون الي يائس بابتسامة ..بديك الأمل اللي يقهرك في النهاية لأن انا الملك

المطحون : شيلوك ؟؟

الملك : انا مش مرابي انا حاكم

المطحون : مافيش فرق بينك وبين المرابي انت بتسلفني الأمل الكاذب والبلد بتفضل علي حالها وبتطلب مني التمن بعد ما ضيعتني..انت بتبيع الأمل وبتجني روحي اليائسة السقيمة في النهاية..انت عايزني ميت

الملك : انا رقيتك لدرجة شهيد

المطحون: هو انا اعيش فقير او ثائر او شهيد ؟؟ ما ينفعش تعيشني راضي ؟؟

الملك : مش ترضي بالقدر ؟؟

المطحون : انت مش قدر انت اختيار..الاختيار ممكن نغيره والقدر نستحمله بخيره وبشره

الملك : انتم ازاي يا شعب جعان عريان جايين عند القصر وبتقاطعوا وجبتي؟؟ انا مش بتغدا دلوقتي جناح طاووس وغزال مهروس وكاس شهد النفوس ؟؟

المطحون : واحنا بقالنا سنين بناكل طعمية ونشرب المية من الحنفية

الملك : انتم اللي اخترتم واتحملوا الاختيار

المطحون : عايزنا نجيبك بالصناديق وبعدين تشحن جثثنا في صناديق ؟؟ هي دي تجارة الملوك ولا ده نوع جديد من العدالة ؟؟

الملك : والعدالة في نظر بعض الفلاسفة مش هتتحقق الا في السماء

المطحون : وليه ما تطلعناش معاك السماء

الملك : السماء للملوك

المطحون : انت مش منزه..انت حاكم ..والعدل المفروض ايتك وشعارك..ده حتي القاضي واحد في الجنة واتنين في النار وانت عارف كده

الملك : ملك في الجنة واتنين في النعيم

المطحون : استغفر الله..انت كمان فاكر انك هتختار في الاخرة..؟ ملك الملكوك اللي بيختار انت هناك محكوم عليه مش حاكم

الملك : لكن انا اتعودت احكم واتحكم

المطحون : انت حاولت تاخد من صفات ربك لكن ما تقدرش تاخد ربعها فاختلت عندك الموازين لانك مجرد بشر

الملك : بشر ؟؟ يعني زيك انت ؟؟

المطحون: ده المفروض في حكم المساواة

الملك : مافيش حاجة اسمها مساواة في عدل بس

المطحون : نيتشة ؟؟ مكيافيللي ؟؟ بتؤمن بالناس دي وبس ؟؟

الملك : لا دول صغيرين انا قدوتي كاليجولا وهتلر ونيرون

المطحون : وفين روحك ؟؟

الملك : نايمة علي كرسي الحكم دايبة فيه وفي العالم بتاعه..

المطحون : الكرسي ده للحكم ولا للعبادة ؟

الملك : الكرسي ده للخلود

المطحون : استغفر ربك

الملك : انا عظيم وما اتعودتش اغلط واستغفر

المطحون : انت مريض

الملك : انا ملك السعادة

المطحون : هي السعادة عطاء ولا كنوز في وجهة نظرك

الملك : السعادة ملكة وموهبة..مش اي حد يكون سعيد

المطحون : بس علي الاقل اديله سبب للسعادة وجرب وشوف هيكون سعيد ولا لأ

الملك : انتم شعب فقري

المطحون : انت فاكر نفسك خالد

الملك : انا خالد في عالم السعادة لكن فاني في عالم البشر

المطحون : السعادة مش مرتبطة بالخلود اصلا ممكن تعيش يومين بعمر كامل لواحد تاني وممكن تعيش خالد وتمل من الخلود عشان كده احنا فانيين

الملك : انا بشر فاني لكن هاموت سعيد ومتحكم

المطحون : طيب ليه بتموتنا شهداء وفقرا بطغيانك

الملك : انتم عايزين الشهادة وانا منحتها ليكم بعساكري وملكوتي

المطحون : انت ملكش ملكوت انت ليك جاه بس انما الملكوت لملك الملكوت سبحانه

الملك : انت عايز ايه مني دلوقتي ؟؟ انا ممكن اقتلك

المطحون : انت قتلتني فعلا ولقيت اسمي في صفحة الوفيات من زمن وماشي نص ميت نص عايش

الملك : حالك احسن من غيرك

المطحون : بتعاير شعبك بفقره وانت سبب فقره ؟ هو انت مش كنت زينا في يوم من الايام واحد من الشعب ده ؟؟ ليه ما خدمتوش

الملك : اول درس للكرسي "شعبك في خدمتك والامن في قبضتك"

المطحون : كرسي كهربا ده مش كرسي حكم..كرسي حكم عليك بالموت والخلود في عالم الفساد

الملك : انا مش فاسد انا بحكم بقواعد اللعبة

المطحون : واللعبة بتقول ايه ؟؟




كش ملك..كش ملك


اخر جملة رددها "أمل" علي المقهي لصديقه المطحون

المطحون : كش ملك ؟؟ اللعبة بتقول كش ملك ؟؟ هي دي قواعد اللعبة ؟؟

أمل : مالك يا ابني في ايه ؟؟ انت تايه في ايه بقالك ربع ساعة ؟؟ انت نايم ومش معايا خالص

المطحون : انا كنت بحلم ؟؟

أمل : بتحلم وانت صاحي ..؟

المطحون : كمان الحلم مش عايزينا نحلمه ؟؟ مافيش كش ملك لاننا هنسقط الملك اصلا

أمل : تسقط الملك ؟؟ انت مجنون ؟؟

المطحون : الملك فاسد..مرابي بيشترينا باحلام كذابة..

أمل : الثورة خلصت من 25 يناير من سنين طويلة جدا انت لسه فاكر ؟؟احنا دخلنا في عشرات الحكام من نفس الفصيل ومش عارفين نعمل حاجة

المطحون : لكن انا قابلت الملك وواجهته

أمل : انت مجنون ؟

المطحون :لا انا مش هيخلوني شهيد او فقير بالعافية الحاكم اختيار مش قدر

أمل : مالك يا مطحون

المطحون : انا هاغير اسمي انا مش مطحون الستار مش هينزل عليا..أنا الملك..أنا الملك..الستار دايما بيقفل في وش المتفرجين انما انا ملك المسرح انا الملقن وانا الممثل وانا الدور وانا السيناريو..انتم مين..انتم مشاهدين
حتي انت يا ملك مش هتحكم وتتحكم في حياتي لان حياتي ملكي دايما ايوه حياتي ملكي وفي ايدي



وفي نشرة اخبار بعد سنوات طويلة علي شاشات التليفزيون الحكومي بوق النظام  :

" اعزائي المشاهدين وكما نري هذه الجنازة العسكرية المهيبة لملكنا المفدي رحمة الله عليه..ولا يزال البحث جاريا عن مدبر عملية الاغتيال وكما نعلم ان التحقيقات الاولية اسفرت عن وجود قطعة شطرنج في مسرح الجريمة مكتوب عليها انا الملك ..ولا يزال البحث جاريا عن الجاني "