Wednesday, May 8, 2013

رغبــات المــرايا....قصة قصيرة





هي يارا..العمر لا يهم ..المهنة يقولون عنها "ربة منزل"..وفي الحقيقة هي ربة عالمها وليست ربة المنزل لأنها تعيش مع أهلها  دون رجل حتي الأن..رغم ان عمرها تخطي ال..اه اه لا يهم العمر قلت لكم..

هل تحب المجوهرات ؟ الذهب ؟ لا أعرف ..ككل النساء تشعر برغبة وألفة لهذه الاشياء ولكن لم تجرب احساس ان تحصل عليها من رجل يعشقها حتي الثمالة..او هكذا ظنت حينما قرأت اشعار نزار العاطفية في المرحلة الاعدادية..كم تمنت لو يأتي لها رجل من كتب الشعر ليقول لها مثل نزار في شعره :

لو خرج المارد من قمقمه
وقال لي : لبيك
دقيقة واحدة لديك
تختار فيها كل ما تريده
من قطع الياقوت والزمرد
لاخترت عينيك .. بلا تردد

نعم تحب الذهب ولكنها لا تحب ان تشتريه لنفسها ..تحب ان يأتي من رائحة رجل..تحب  ان تستمع لجملة "السلسلة دي هتاكل منك حاجة"  بكل ما تحمله الجملة من افكار شيطانية في رأسه وهو يقولها ويخرجها من فمه كفحيح أفعي ولكنه فحيح محبب وشيطانية مرغوبة وعبث رجولي حميد !!

انها العلاقة التي تصف حياة الرجل والمرأة..علاقة الذهب بالمرأة..المرأة تعشق الذهب والماس ليس لأنها تحب الاقتناء ولكن لأنها تعشق ان تري الأثمن هو الأرخص تحت قدميها..تشعر احساسها بالملكية في غير مملكة والسمو حتي لو علي رجل عادي ..ويعشق الرجل اهداء الذهب للمرأة وكأنه يكمل رحلة أسلافه في اهداء القرابين للألهة الانثوية القديمة مثل افروديت..انها تكملة الرحلة..رحلة خلود الرجل والمرأة ..

حياة يارا كحياة الكثير من النساء تقبع في نظرية "رغبة المرايا"..نعم انها نظرية من تأليف وحدتها واخراج الدمع العزيز القاني المحبوس..قالت لنفسها ذات يوم في المساء "أنا حبيسة المرايا" واخرجت قلم الروج امام مرأة الحمام وضحكت بجنون لم تعهده حتي تعجبت من نفسها ..

قالت في صرخة غضب امام المرأة " حطي روج حطي كحل حطي كل حاجة ..مين اللي هيتهني بكل ده غير المرايا؟؟"
وفي جنون وخبل قالت لنفسها  "استني استني يا بت يا يارا ..هي المرايا دي دكر ولا نتاية..؟؟ ده انا بعمل كل حاجة قدامها ..يلا مش مهم اهي لو دكر تتهني بيا..مش احسن من مراية الصبح اللي مبتشوفش حاجة؟"

"مراية الصبح" ؟ تسألون ماذا تقصد هي تحديدا ..هي تقصد مرأة الصباح التي تقف امامها لمدة تزيد عن الساعة في كل صباح بينما تقف امام مرأة المساء كل ليلة قبل النوم تتحسر عل يوم مر دون ان تشعل الرغبة الهمجية في قلب رجل ما وتشعل فيه حطب وحدته الي قيظ عشق..

تقول انها "حبيسة المرايا"..مرأة الصباح ومرأة المساء..مرأة الصباح تقف وتقول أمامها "البس البدي البني ولا التاني ..انا حاسة ان كمال عينه مني ..بالذات اما لبست البدي البني المرة اللي فاتت ..انا عارفة هو بص علي ايه بالظبط..صحيح انا اتضايقت في الأول لكن يمكن غرضه شريف"

بينما مرأة المساء تقول امامها كل ليلة  "وادي الزفت الروج اهو هامسحه زي كل يوم ومش هيطول ابدا انه يبقع بق راجل يكون حلالي..كأني في عرض الوان وخلاص كل يوم نفس الالوان ..عموما هم احرار هم مش عارفين اللي فاتهم..مش بس جسمي الفاير اللي بيغطيه لبسي المحترم الصبح ..هم لو شافوني بوضعي دلوقتي كانوا اتهبلوا ..هم احرار ..هيفوتهم كتير"

فتحت يارا ذات مرة كتاب باولو كويلو المركون منذ فترة علي الرفوف وهو "احدي عشرة دقيقة" وقرأت تلك السطور في الكتاب  "إن الجنس يصير كأى نوع من انواع المخدرات , وسيلة للهروب من الواقع ونسيان المصاعب والاسترخاء . لكن الجنس , شأنه شأن المخدرات كلها , ممارسة مؤذية ومدمرة"

قالت لنفسها وتنهدت "ممارسة مؤذية ومدمرة ؟؟" ..طيب ما احنا ياما جربنا حاجات في الحياة مؤذية يعني هي جت علي دي..المهم التجربة..امتي هاخش المعمل وابقي فار تجارب للممارسة المؤذية دي ؟؟ قال مؤذية قال يا سلام يا باولو عليك يا سلام يا اخي .."

في احد المطاعم ذات يوم سقطت وردة علي الارض ..التقطها رجلا بالصدفة وصاح "يا جماعة الوردة دي بتاعة حد ؟؟" لم يجب احد من الجالسين وكانت يارا تبكي علي طاولتها لانها كانت وردة وداع من اول رجل عرفته وكانت لها علاقة به ولكنها انتهت بالجملة ذاتها المعروفة منذ عشرات السنين "خلينا اصحاب احسن"  !!

ظلت يارا تبكي حتي طلبت الحساب وهرولت الي المنزل تتلقي السباب من كل السيارات لانها تجري بجنون في وسط الطريق وقال لها احدهم من خلف زجاج سيارته  "انتي يا غبية انتي انتي اتعميتي ولا ايه ؟"

وصلت الي المنزل ..خلعت كل ملابسها امام المرأة وقالت وهي تبكي : "انتي الوحيدة اللي هتسمتعي بكده صح ؟ ..انا عرض مسائي كل يوم ليكي ..برقصلك استربتيز..حتة حتة بتقع بس مش انهيار دي نشوة انتصار عندك..علي فكرة انا مش هاقف قدامك تاني..واضح انك بخيتي فيا سرك الكريم ومش هاكون لحد تاني غيرك..او "دول" بالذات مش هيكونوا لحد تاني..هو يعني انتي ليكي ايدين بلا خيبة..ده انا عايشة مع مراية مهكعة خردة "

الرغبة..ليس للمرايا رغبة غير المشاهدة..لا تعبر حتي عن حبها للجمال منذ ان عبرت اخر مرة في قصة "سنوايت"..منذ هذه القصة العجيبة لم تتحدث المرايا ولم تقل انتي اجمل واشهي واحلي ..وياليتها تتحدث الي يارا التي تمتعها بجسدها الفائر البض كل ليلة ..


"هو ليه حسن قالي خلينا نكون اصحاب احسن؟ ..هو ايه الاحسن في كده يعني..اصلا ما بتحصلش ان اتنين بيحبوا بعض بيرجعوا اصحاب العكس بس اللي ممكن يحصل انما ده مستحيل..ارحمني بقي يارب ..ارحمني يا رب وابعتلي امنيتي وامنية حياتي.."  قالت يارا لنفسها في لحظة شجن حتي دخلت امها وقالت لها :يارا حبيبتي مش هتاكلي حاجة قبل ما تنامي؟"

يارا : لا يا ماما اقفلي النور والنبي لأن العرض هيبدأ

الام : عرض؟؟ عرض ايه ؟؟

يارا : ايه.؟؟ ولا حاجة..ده فيلم هاشوفه علي الكمبيوتر كده متاخديش في بالك


كانت يارا تقصد بالعرض هذا العرض المسائي امام المرأة ..اضواء خافتة وتأمل في جسد محموم بالوجد ومستعر بالرغبة ومتعكز علي امل المتعة..!
اغلقت النور الا من ضوء خافت في غرفتها وقالت للمرأة " ايه؟؟عاجبك كده..النهاردة يوم اسبيشيال انا بفكر ارقصلك بلدي..اه فعلا هارقصلك بلدي..طبعا عايزة تشوفي يا شقية..يا قليلة الادب اتكسفي بقي "

نامت يارا بعد رقصة عفوية مرهقة واستيقظت في الصباح تضع مكياجها وملابسها وحجابها وتنطلق في دوامة الحياة ..وهي تضع دبوس الايشارب قالت للمرأة الصباحية : "طبعا ده اتعس وقت ليكي ..ما بتحبيش تشوفيني وانا بالبس هدومي ..انا دلوقتي خضرة الشريفة لاني خارجة..بليل هاكون زي ما انتي عايزة..غجرية..اسبانية..ارجنتينية..ارقصلك فلامنكو وصالصا وتانجو كل يوم رقصة ..يا بختك من قدك ومن قدك يا عم لو كنت راجل ..لو كنت بعمل كل ده لمراية دكر ما انا مش عارفة جنسك وفصلك ايه بالظبط"


وبعد يومها المعتاد عادت الي مرأة المساء قائلة لها " لو كنتي بتغيري منه هو خلاص سابني خالص..بس هو علي الاقل كان بينكشني انما انتي كده زي القطط تاكلي وتنكري ده مشافش ربع اللي شوفتيه..ومع ذلك كان هيموت عليا زمان اما كان بيكذب عليا ويوعدني بالحب اللي عمره ما هيموت"

وخارج الغرفة كانت الام تقول : يا حمادة قول لاختك تيجي تتعشي ..

حمادة : حاضر يا ماما

فتح حمادة الاخ الصغير باب غرفة يارا فأرتاب من ان يصدق ما رأه انها اخته ترقص عارية بشكل غريب وعبثي..هو مجرد طفل صغير ولكنه لم يري شئ من هذا من قبل وجحظت عيناه واغلق الباب بسرعة ثم عاد ليقول لأمه مسرعا : يارا بتغير يا ماما

ماما : مالك يا حبيبي بتجري كده ليه زي ما تكون مخضوض من حاجة

حمادة: لا يا ماما انا بجري عادي يعني


لم يكن ليارا سوي اخ واحد وهي الاخت الكبري التي ملكت زمام المنزل مع امها  بعد وفاة الاب منذ سنوات ..كان الرجل الوحيد الذي يملأ المنزل بنفحات الرجولة التي يفتقدها المنزل الأن الا من حمادة ولكنها نفحات طفولية جدا ..لا تشعر بخشونة صوته ولا تري شعر صدره في الصيف حينما يرتدي ملابسه ..انها الرجولة التي تفتقدها بكافة اشكالها منذ ان مات والدها..


وبعد ايام وفي فترة العمل :

سناء : سمعتي يا يارا ان حسن هيخطب ؟

يارا "في اضطراب وضاح" : حسن ؟ حسن مين ؟ حسن بتاعنا

سناء : اه يا ستي هيخطب داليا زميلتنا

يارا في انكسار : ربنا يوفقه ويوفقها هي طيبة وتستاهل كل خير



"تستاهل كل خير" هي جملة المنكسرين دائما ..هي الجملة التي يرددها شخص تم هجره ليعلن صراحة ان حبيبه السابق هو كل الخير الذي يقصده !! انها جملة ندم وليست مجرد امنية بالسعادة !

كيف تشعر يارا الأن ؟ ذهبت الي المنزل بسرعة دون حتي ان تبقي لاستراحة الغداء بالعمل وفتحت الباب دون ان تلقي التحية ولكنها اسرعت الي غرفتها وجلست ساعات وساعات تنتظر الليل حتي فرد الليل شراعه وخيم بأجنحته علي قلب يارا قبل ان يخيم علي الدنيا ..خلعت ملابسها للمرة الاخيرة وقالت للمرأة الليلية : استمتعي للمرة الاخيرة دي اخر رقصة هارقصهالك لاني معدتش هاعرف امتع حد انا مش هامتع الا نفسي بس بعد كده الدنيا ليا انا..

في هذه المرة لم تفتح موسيقي شعبية او اي موسيقي مناسبة للرقص ولكنها فتحت لحن
Mozart - Requiem

والغريب انها كانت ترقص عليه بخلاعة واضحة وتضع اصابعها علي شفتيها وتتغنج وتعض علي اصابعها بشكل مغري ومثير ولكن ليس للمرأة التي لا تسمع ولا تري ..انها مازالت تحدث المراة في كل ليلة كالعادة..

وبعد نهاية الرقصة بدأت حفلة التحطيم ..كسرت كل اجزاء المراة

وصاحت في جنون :  خلااااااص متعتك راحت وراحت ايامها ..خلاص مش هاقعد اشيل مكياجي ولا اغير قدامك مش هتستمتعي بجمالي مرة تانية شوفي حد تاني تتسلي بيه من النهاردة ولا انتي ولا مراية النهار هتشوفوني..انا مش رحلة بحث عن راجل..انا مش رحلة بحث عن الكمال..لأن خلاص..أنا الكمال..أنا لوحدي الكمال..انا مش شئ ناقص محتاجة حد يكملني..انا مش نص انسان ومحتاجة حد يكمل نصي التاني انا انسانة كاملة..ايوه بقول للعالم كله كاملة كاملة كاملة


وفي معرض فني لعرض اللوحات :


جاسر : كل ده بتقوله الرسمة دي ؟؟ يعني اللوحة دي اسمها ايه لو سمحت

ياسمين : اسمها "رغبات المرايا"

جاسر :  وعشان كده في اللوحة المراية مكسورة مش كده ؟ بصراحة لوحة هايلة وحضرتك فنانة جدا

ياسمين : ميرسي

جاسر : ممكن اعزمك علي العشا النهاردة لو وقتك يسمح

ياسمين : اوكي اشوفك علي العشا




لم ينتبه ابدا جاسر للوحة ..كان طوال الوقت ينظر الي ياسمين او الي خالقة عالم يارا الذي لا نعرف هل هو عالمها او هو مجرد محض خيال..كان الحب منذ النظرة الأولي يتفتق في ذهن جاسر وقلبه منذ ان وقعت عيناه علي ياسمين ..كان الحب في اشد لحظات ياسمين حزنا وهلعا وهي تتحدث عن شخصية يارا وكأنها تعرفها جيدا وكأنها تتحدث عن نفسها..

وتعددت اللقاءات بين جاسر وياسمين وبدأت المشاعر ترفع رايتها وبدأت مرحلة الاستسلام والسلام في القلوب وهي اولي مراحل الحب ..وكانت شخصية يارا هي محاولة التمرد علي ناموس الكون ..محاولة التمرد علي البحث عن النصف الأخر ..ولكن جاسر كان هو الطريق الاعتيادي والروتين الحياتي والحب الخالد..


ظهر جاسر في اشد الاوقات يأسا امام لوحة حزينة قتلتها الألوان..وقتلتها رغبات المرايا..

وكانت أخر مكالمة لياسمين علي الهاتف تطلب فيها ان تقابل من اشتري اللوحة لتعديل ستجريه عليها وتجعلها اجمل,,
اظن اننا جميعا عرفنا ما هو التعديل الذي ستجريه علي اللوحة..ستعيد المراة المكسورة سليمة مرة اخري في اللوحة..ستعيد الاستسلام لواقع الحياة وان تنظر في المراة وتهتم بزينتها وحياتها..

من انا ؟؟ انا مجرد راوي لقصة ..
انا من اصطدمت بكتف جاسر وهو يخرج مسرعا من القاعة في حالة حب غريبة :

جاسر : انا اسف جدا

معتز : ولا يهمك اتفضل

جاسر : حضرتك كنت معانا في المعرض ..عجبتك اللوحة ؟

معتز : ياسمين تستحق كل التقدير والاحترام..حافظ عليها


خرج جاسر متعجبا من جملتي حينما قلت "حافظ عليها".. ولكني عرفت مدي حبه لها حينما كان يغني احدي موشحات فيروز الاندلسية وهو يخرج قبل ان يصطدم بي ..وطالما اصبحت انت حالة اندماج مع موشح اندلسي فاظنك وقعت في دوامة الحب ..


من انا ؟
لا يهم..انا احد من حضروا المعرض وشاهدوا تلك المراة المكسورة ..التي اصلحها الحب ..واعادها للحياة الرغبة في الحياة..

No comments: